
زاوية ” قصص سمير ”
✍️سمير الشحيمي _كاتب عماني:
إن العالم يخبئ لنا أسراراً كثيرة ومعقدة ، مهما تطورنا وبلغ بنا العلم ما بلغ ، واكتشاف القارات والجزر بكوكب الأرض ، لكن مازال الغموض يحيط بإجزاء منها ، سأتحدث عن (جزيرة سينيتيل).
لطالما اعتبرت جزيرة سينتينل الشمالية (الثقب الأسود) الخاص بالجزر واسرارها الغامضة ، هذه الجزيرة التي تقع في المحيط الهندي وتتبع إدارياً (الهند) ليست جزيرة خالية من السكان ، بل يوجد بها سكانها الأصليين ، لكن تاريخ التواصل معهم ليس مشجعاً نهائياً ، بل يستقبلونگ بهجمات من سهامهم ، لماذا سكان جزيرة سينيتيل غير ودوديين مع الغرباء ولا يمتلكون أية مظاهر لتطور هذا ما سأكشفه في هذا المقال.
في عام (1880) بدأت الحكاية بشكل مأساوي على يد ضابط البحرية البريطاني (موريس فيدال بورتمن).
لم يكن بورتمن مهتماً بالسلام ، بل كان مهووساً بقياس أجساد السكان الأصليين لهذه الجزيرة. لذلك قام بإختطاف ستة من سكانها (زوجين مسنين وأربعة أطفال).
مع الوقت لم تتحمل أجسادهم التغيير المفاجئ للمكان فتوفي المسنان فوراً بسبب انهيار جهازهما المناعي أمام أمراض لم يعرفاها ،فأعاد بورتمن الأطفال إلى الجزيرة محملين بالهدايا ، لكنه في الواقع أعاد معهم (الموت) ، وهو ما يفسر العداء الشرس الذي يظهره السكان لكل من يقترب منذ ذلك الحين.
بين عامي 1967 و1991، حاولت الحكومة الهندية إتباع سياسة (اللقاءات المنظمة) ، قاد عالم الأنثروبولوجيا T.N. Pandit حملات لإلقاء الهدايا على شاطئ جزيرة سينيتيل ، كان السينتينيليون يقبلون الهدايا مثل جوز الهند الذي لا ينمو في جزيرتهم ، والقدور البلاستيكية الحمراء ، لكنهم كانوا يرفضون استقبال من أتى بها.
في إحدى المرات ، قبلوا الجوز ثم وجهوا سهامهم نحو القوارب بمجرد انتهاء الحمولة ، في إشارة واضحة يقولون بها : نحن نأخذ ما نريد ، لكننا لا نريدكم.
في عام 1981 ، جنحت سفينة الشحن الضخمة Primrose بالقرب من الجزيرة.
ظن الطاقم أنهم في أمان ، حتى رأوا رجالاً على الشاطئ يصنعون قوارب لمهاجمتهم ، كان هذا اللقاء نقطة تحول تقنية للقبيلة ؛ فبدلاً من الإعتماد على العظام والأحجار ، بدأ السينتينيليون بإستخدام حديد السفينة لصناعة رؤوس سهام أكثر فتكاً، مما جعلهم (قبيلة من العصر الحجري تستخدم معادن القرن العشرين).
سجلت المراجع اللقاء السلمي الوحيد مع سكان جزيرة سينيتيل في عام 1991 اقترب فيها السينتينيليون من الباحثين الهنود دون سلاح ، بل ولامسوا القوارب بأيديهم. ظن العالم وقتها أن السكان الأصليين قبلوا الانخراط مع البقية ، لكن الحكومة الهندية اتخذت قراراً مفاجئاً بوقف جميع الزيارات بسبب أن بعض العلماء أدركوا أن الإستمرار يعني تدمير ثقافتهم أو قتلهم بالأوبئة ، كان الإنسحاب هو أرقى أشكال التواصل.
في عام 2004 حادثة تسونامي التي ضربة المحيط الهندي والهند وبعد انتهائها ، تحركت مروحيات الجيش الهندي إلى جزيرة سينيتيل للإطمئنان عليهم وتفاجؤ بإنهم استقبلوهم رميا بالسهام مما أثار دهشة العلماء بإنهم بخير ولم يحدث لهم أي شي من موجة التسونامي.
الحادثة المأساوية التي حدثت عام 2018 لشاب الأمريكي (جون ألين تشاو) المبشر المسيحي الذي أراد التواصل مع سكان جزيرة سينيتيل وتبشيرهم بالدين المسيحي برغم التحذيرات بشأن عدم الاقتراب من الجزيرة وسكانها ولكن جون كان معه رأي آخر ولكن تم قتله بسهم اخترق جسده وتم دفنه على الشاطئ ولم يستطع أحد استعادة جثته بسبب مخاطر الإقتراب من الجزيرة ، لم يكن قتل تشاو عملاً إجرامياً بمنظورهم ، بل كان دفاعاً عن الحدود ضد كائن فضائي (بالنسبة لهم) خرق حرمة أرضهم.
و أخيراً تاريخ التواصل مع سكان جزيرة سينتينل يطرح تساؤلاً أخلاقياً: هل من حقنا دمجهم مع العالم وهم يرفضوننا؟
لقد تعلمت الهند من تجاربها مع قبيلة (الجاراوا) المجاورة، الذين تحولوا إلى (مزار سياحي) بائس بعد التواصل معهم.
لذا ، فإن السياسة الحالية هي المراقبة عن بعد وتركهم ليعيشوا تاريخهم الخاص ، في عالمهم الخاص ، بعيداً عن ضوضاء التاريخ الحديث.
إن تاريخ جزيرة سينتينل ليس تاريخ (فشل في التواصل) ، بل هو تاريخ (نجاح في العزلة).
إنهم الشعب الوحيد الذي استطاع أن يقول “لا” جماعية للعولمة، وما زالوا صامدين.
للتواصل : [email protected]



