خريف الفهم

✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب سعودي :
ليس كل فهم يأتي في أوانه..
بعضُ الإدراك يتأخر، يأتي كالغيث على أرض أرهقها الجفاف، بعد أن عبرنا طرقاً وعرة كنا نتمنى لو فهمنا بوصلتها قبل أن نخطو خطوتنا الأولى.
نعيشُ فصولاً طويلة ونحنُ نحاول ارتداء ما لا يناسبنا، نُطوع أرواحنا لتشبه توقعات العابرين، أو نُجمل ذواتنا لنرضي صورة رسمناها لأنفسنا في لحظة وهم، لكننا في الحقيقة، لم نكن نحن.
ثم، في لحظة خريف مباغتة، تسقط الأوراق الصفراء.. ونستوعب.
نستوعب أننا بالغنا في منح القيمة لأشياء لا تستحق، وتجاهلنا جوهرنا الذي كان ينتظر التفاتة واحدة.
نكتشف أننا سلكنا دروباً، لا لأنها تشبهنا، بل لأنها كانت الطريق الأسهل للهروب من مواجهة ذواتنا.
أصعب لحظة ليست هي اكتشافك لنفسك، بل أن تكتشفها متأخراً.
أن تعود بذاكرتك للوراء وتسأل بمرارة، لماذا أطلتُ الوقوف في ساحات الآخرين؟ ولماذا استهلكتُ عمري في تقمص شخص لا ينتمي إلي؟
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال
إن الفهم لا يتأخر بقدر ما نحن نتأخر في استقباله، حتى يحين الوقت الذي نكون فيه أكثر صدقاً مع أنفسنا وأقل مقاومة للحقيقة. وقد أشار المعنى القرآني إلى هذا الحضور العميق للوعي حين قال الله تعالى
(بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ)
فالإنسان لا يجهل نفسه، لكنه أحياناً يؤجل الاعتراف بها، حتى تهدأ الضوضاء من حوله، فيسمع صوته الداخلي واضحاً كما كان منذ البداية.
وفي الحياة مثال يقرب الصورة كمن يحمل بوصلة طوال رحلته، لكنه لا يلتفت إليها إلا بعد أن يرهقه التيه، فيدرك حينها أن الطريق لم يكن غامضاً، بل كان هو الغائب عن وضوحه. وهكذا الفهم، لا يأتي متأخراً في جوهره، بل يأتي حين يصبح الإنسان مستعداً لمواجهته بلا تزييف، فيتحول التأخر من خسارة إلى نضج، ومن ألم إلى وعي، ومن ضياع إلى يقين.
حين يبدأ الإنسان بفهم نفسه، لا تتغير ملامح حياته فجأة، بل يتغير ملمس الأشياء في قلبه. يصبحُ أكثر وضوحاً، وأعمق هدوءاً، وأقل رغبة في الركض. لا يعود يلهث لإثبات صدقه، ولا يستهلك طاقته في تبرير مواقفه، يكفيه يقيناً أنه عرف ما يلمس روحه، وما يبتعد عنها.
وهذا اليقين، هو النجاة.
كالشجرة التي لا تُدرك خفتها إلا حين تتخلى عن أوراقها، نحنُ أيضاً لا نفهم أنفسنا، إلا بعد أن نسقط ما ليس لنا. ليس العيبُ في أن نصل متأخرين، بل في أن نعرف ثم نختار تجاهل ما عرفناه.
وختاماً
لا يهمُّ متى أشرقت شمسُ وعيك، المهمُ أنك حين أبصرت النور.. احتضنته بصدق.
للتواصل : [email protected]



