كتاب الرأي

حبوة الأولين: طُهر الصخب.. وهَدْأة الرياء

        ✍️ حسن المقصودي – كاتب سعودي:

كانت “الحبوة” عند أجدادنا وآبائنا أكثر من مجرد جلسة اتكاء عابرة؛ كانت “برلمان الفطرة”، ومحراباً تُنحر فيه المداهنة على عتبات الصدق. هناك، في صوح الجامع أو تحت ظلال الأشجار المعمرة أو بفيء الحيطان العتيقة التي شهدت مواثيق الرجال، كان يدور الحوار الصاخب؛ ذلك الضجيج الذي يخطئ من يظنه جلبةً فارغة، بل هو في جوهره ذروة الشفافية والوضوح والمصداقية.
في تلك المجالس، كانت الأصوات تعلو لتنقي الصدور لا لتعدم الجسور. كان الرجل منهم يحتبي ويحتزم، فتخرج الكلمة من جوفه حارةً كالجمر لكنها طاهرة كالغيث. كان صخبهم هو “المصفاة” التي تمنع الرواسب من الاستقرار في القاع؛ يعتبون فيغضبون، ويتناظرون فيرفعون عقائرهم بالحق، حتى إذا انفض المجلس، قاموا وقد نفضوا ما في قلوبهم من غِلّ، وعادت النفوس بيضاء كفجرٍ بكر. لقد كان الصدق الجهور هو ميثاقهم، والمواجهة الشجاعة هي سياج مودتهم المنيع.
أما اليوم، فقد استبدلنا ذلك الضجيج المقدس بهدوء مسموم، وسكينة ليست من الوقار في شيء، بل هي خدر أصاب الروابط الاجتماعية في مقتل. جلساتنا اليوم هادئة في ظاهرها، لكن خلف صمتها تدور رحى الحروب الباردة؛ نبتسم في الوجوه ونقدح في الخفاء، نتبادل المجاملات المعلبة بينما القلوب ممتلئة بالبغض. وما نراه من هدوء معاصر ما هو إلا غطاء كثيف لأعطاب القلوب التي لم تعد تحتمل مشقة الصراحة، فآثرت الانزواء خلف جدران الرياء والقطيعة النفسية.
إن الفرق بين حبوة الأولين وصمت الآخرين هو الفرق بين العاصفة التي تنقي الجو، والرطوبة التي تنخر العظام. لقد خسرنا بضياع تلك الشفافية الصاخبة أمان النفس، وربحنا هدوءاً زائفاً لا يورث إلا الجفاء. فيا جيل اليوم، إن السلامة ليست في الصمت المريب، بل في قلب يغلي بالصدق ثم يهدأ بالصفاء. إن حبوة الأولين مدرسة في علاج النفوس، فتعلموا منها أن المواجهة الشجاعة خير ألف مرة من صمت يخبئ تحت طياته الخناجر. أعيدوا للمجالس هيبتها بالوضوح، وللحوار قيمته بالمصداقية؛ فما نفعُ السكون إذا كان يسكنه الوباء؟ وما ضرّنا الصخب إذا كان يورثُ الصفاء؟
والسلام؛؛؛

 للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى