ليس كل ما نتركه خسارة

✍️ عبدالخالق الزهراني – كاتب سعودي :
ليس كل ما نتركه خسارة، وليس كل غياب يعني نقصاً، فبعض التراجعات في حياتنا ليست هزيمة، بل إعادة ترتيب لما يليق بنا وما لا يشبهنا.
نُثقل أنفسنا أحياناً بالبقاء في أماكن لا تمنحنا شيئاً سوى الاستنزاف، لا لأننا عاجزون عن المغادرة، بل لأننا تأخرنا في الاعتراف بأن الاستمرار قد يكون أكثر كلفة من الرحيل. ومع الوقت، يتحول التعود إلى قيد غير مرئي، نقبله بصمت، ونُسميه استقراراً، بينما هو في حقيقته شكل من أشكال التيه الهادئ.
نخاف الفراغ أكثر مما نخاف الخطأ، فنتمسك بما نعرفه حتى وإن كان لا يناسبنا، ونُقنع أنفسنا أن القليل يكفي، فقط لنُبقي الباب مغلقاً أمام مواجهة الحقيقة. لكن الحقيقة، مهما تأخرت، لا تتغير، بعض البقاء لا علاقة له بالحب، بل بالخوف من التغيير.
هناك لحظات يصل فيها الإنسان إلى إدراك صامت، يدفعه للسؤال لا عن جدوى ما يملكه، بل عن جدوى استمراره فيه. عندها فقط يبدأ الفارق بين أن تستمر كي لا تخسر، أو أن تنسحب كي لا تفقد نفسك.
الإنسان لا يرحل دائماً لأنه لم يعد قادراً على الاحتمال، بل لأنه وصل إلى نقطة يصبح فيها الاحتمال ذاته شكلاً من أشكال الإنكار. وحينها، لا يعود الانسحاب ضعفاً، بل وعياً متأخراً بحقيقة طال تجاهلها.
وفي العمق، ليست كل نهاية انكساراً، فبعض النهايات حماية، وبعض البعد استعادة للذات بعد طول غياب. ما نتركه أحياناً لا ينقصنا، بل يخففنا من ثقل لم نعد نحتمله، ويعيد ترتيب الداخل الذي أربكته المحاولات الطويلة للإرضاء.
الخسارة الحقيقية ليست في المغادرة، بل في البقاء في ما ينكرنا ويطفئ ملامحنا شيئاً فشيئاً، حتى نصير نسخة لا تشبهنا.
ويقيناً، لم يكن كل ما نتركه فراغاً، بل كان مساحة تتشكل منها حياة أكثر صدقاً وهدوءاً، حين نجرؤ على الاعتراف بأن بعض الطرق، مهما امتدت، لم تكن لنا منذ البداية.
للتواصل : [email protected]



