كتاب الرأي

فن إدارة الأزمات

           ✍️ مها الشاعر – كاتبة سعودية :

تنشأ الأزمات لتعيد تعريف المنظومة، وإعادة ترتيب أجزاءها ومكوناتها، ورفع جودة كفاءتها وخلق مساحات أطول مدى، وأوسع إدراكاً ، وابتكار حلول أكثر دقة وفعالية للخروج منها بأقل الأضرار، وأكثر قوة وصلابة من ذي قبل .
تمر دول الخليج العربي حالياً بأزمة مثلثة الأضلاع، حيث يأتي بالمقام الأول جارة مردت على السوء واعتادت الغدر ونقض المواثيق، ومن ثم محاولة عيش دور المظلومية، وأحقية الدفاع عن النفس من خلال إيذاء الأطراف التي لا علاقة لها بما يدور في فلكها لا من قريب ولا من بعيد.
والكثير من الأكاذيب والمبررات الواهية، و التي تنطلي على كثير من السذج ممن حولنا في بعض الدول العربية، والبعض القليل منهم عن سوء فهم فعلي، وقلة معرفة حقيقة لقراءة المشهد كما ينبغي، مدفوعين ببعض الشعارات والانتماءات الضالة.
والبعض الآخر منهم منتشي لما تمر به هذه الدول، ومتشفي عن سابق قصد ومعرفة كاملة لجميع أهداف هذه الاعتداءات ، ولكن لهوى في نفسه ولأحقاد وعقد نفسية دافعها الأفضلية اللامتناهية لدول مجلس التعاون الخليجي ، وهذا بفضل من الله أولاً، ومن ثم بقادة حاذقين عرفوا كيف يكونون في مقدمة المشهد الإقتصادي والسياسي كقادة ومؤثرين في كثير من المنظمات الإقتصادية والسياسية عالمياً ، وليس مجرد تابعين دون أثر.
أما بالمقام الثاني وجود حليف غير واضح الهوية والمسار، متلون الموقف بالرغم من إداركه لحاجة بلاده لاستمرارية هذا التحالف مع دول الخليج العربي، لما تشكله من العمق الاستراتيجي في المنطقة سياسياً واقتصادياً، وكذلك لعمق الثقة الممتدة لسنوات و المبنية على عدد من الشراكات السياسية والإقتصادية والسيادية كذلك ، مما يجعل موقف هذا الحليف حتى اللحظة غير مفهوم، ومخالف لكل التوقعات التي رسمت بناءً على نوعية هذا التحالف وأهميته القصوى لجميع الأطراف، وليس للأهمية القصوى لدولته كما يعتقد .
ولكن يبدو بأنه سيظل في غفلته حتى يدرك معنى وحقيقة ؛ “أَضاعُوني وَأَيَّ فَتىً أَضاعُوا ؟! .. لِيَومِ كَريهَةٍ وَسِدادِ ثَغرِ”.
وأما بالمقام الثالث وهو الأهم من وجهة نظري الشخصية، ألا وهو الكشف عن عدد من الخلايا الإرهابية النائمة في عدد من دول الجوار الخليجي، والذين لولا الله ثم وقوع هذه الأزمة، لما ظهرت بهذا الوضوح والتجلي المطمئن لما تؤول إليه أوضاع المنطقة.
وأضف إلى ذلك الشامتين والمتشفين من الخارج، والذين لطالما ربطتنا بهم عدد من أواصر الألفة والصداقة، ولولا هذه الأزمة لكنا حتى هذه اللحظة لا نزال نصافح ونمد يد العون والمودة لمثل هؤلاء.
وبغض النظر عن كل هذه الأضرار التي وقعت في دول مجلس التعاون الخليجي، إلا وأن لسان الحال هو ؛ جزى الله الشدائد كل خير ..
حيث كانت بمثابة مصفاة لتنقية هذه الدول من مكر وغدر خونة الداخل ، وعفن وأحقاد شرذمة وأوغاد الخارج من حولنا .
قدم خبير إدارة الأزمات ميتروف نظريته ذات المراحل الخمس لإدارة الأزمات على عكس نظام خطط الأزمات التقليدية،حيث قسم الأزمة إلى عدة مراحل متسلسلة ، ولكل منها دوره الحاسم في كيفية تمكن المنظومة من التوقع المسبق للأزمات أو الإضطرابات، ومن ثم معرفة كيفية إدارتها والتعافي والخروج منها أقل ضرراً وأكثر صلابة من ذي قبل .
وضع إيان ميتروف في المقام الأول مرحلة رصد الإشارات أو ما يعرف بـ Red flags قبل وقوع الأزمة، حيث تكون هناك مؤشرات إستباقية للأزمات والتي بدورها تساعد في إدراك هذا الضرر والحد من تأثيره قبل وقوعه.
ولعل في الخطوة التي اتخذتها عدد من دول المنطقة خلال الأشهر الماضية في نهاية العام الماضي ٢٠٢٥، ومطلع هذا العام ٢٠٢٦ خير مثال على هذه المرحلة ، حيث قامت بإعادة صياغة وضبط عدد من التحالفات، والتي ساهمت بلا أدنى شك في كبح جماح بعض قوى الشر عن أداء كامل مخططاتها منذ بداية الأزمة.
لأن الحسابات هنا اختلفت عن سابقتها، وهذه كانت بمثابة صفعة استقرائية استباقية لهذه الأحداث، والتي تنم عن قيادات يقظة ومدركة لحجم المخاطر من حولها، بالرغم من كل الابتسامات الصفراء التي تحيط بها .
أما في المرحلة الثانية ألا وهي التحضير والوقاية، والتي تدرس توقع التهديدات والأضرار قبل وقوع الأزمة، مما يساعد على وضع خطط اختبار شدة الأزمة، وكيفية إمكانية التعامل معها بطرق أكثر كفاءة.
ومن ثم تليها مرحلة الاحتواء والتي تكون أثناء وقوع الأزمة، والتي تساهم في التقليل من الأضرار عن طريق الاستجابة السريعة، وذلك عن طريق دور قيادي أكثر هدوءً ووضوحاً ، في معرفة ما الذي يجب التعامل معه وما الذي ينبغي تجاهله، وهذا بناءً على الخطط الاستباقية التي تم وضعها في المرحلة السابقة، والتي ساهمت في احتواء الأزمة بأفضل الأساليب ، ومنع وقوع حالات الذعر، والتخفيف من أي إضطرابات داخلية أو خارجية أثناء الأزمة خارج التوقعات.
ومن ثم مرحلتي التعافي أو إعادة البناء ، والتعلم مما حدث وإعادة دراسة مكامن القوة ونقاط الضعف ، ومواطن الإخفاق ، وابتكار أساليب ومنهجيات أكثر فاعلية، ومعرفة الحلول الناجحة من عدمها، ومن ثم الإبقاء على الفعال وإستبعاد واستبدال ما دون ذلك.
وهذا النوع من الإدارة للأزمات ذو ارتباط وثيق، وصلة عميقة بالحفاظ على سمعة المنظومة، وتأطير روابط الثقة فيما بينها وبين أعضاء هذه المنظومة أو اتباعها، سواءً كانت منظمة إقتصادية وتجارية أو سياسية وقيادية .
وبفضل من الله ولبُعد النظر الذي كانوا يحملونه قادة هذه الدول رأينا الكثير من هذه الأدوات الفعالة قبل حدوث الأزمة وخلالها، والتي كان لها بالغ الأثر في أن نتجاوز كل تلك الرعونة والهواجة، بهذه الدرجة من الخفة والبسالة، ونحن لا نزال في قمة الهرم السياسي والاقتصادي ولله الحمد .

بوصلة التغيير :
لطالما كانت الأزمات والشدائد سواءً على مستوى الأفراد أو المنظمات ، هي محطات الارتحال عن مواضع اللايقين ، وبمثابة كواشف لمواطن الخلل، ولإظهار موارد القوة ومكامنها والحفاظ عليها، بل ودافع قوي للتحسين ، والاستمرارية في البحث عن سبل تقدم أكثر جاهزية واتساقاً مع الأوضاع والظروف المحيطة ، بدلاً من اللطم والبكاء على اللبن المسكوب، ويحدث هذا فقط في الكيانات الناجحة والمتقدمة.
على عكس ما يحدث عادة في كثير من الأزمات السياسية والإقتصادية والتي تتكشف من خلالها عدد من مواطن الخلل ونقاط الضعف، إلا أنه ولله الحمد شهدنا النقيض من ذلك، ألا وهو بروز نقاط القوة والثبات، وتفوق عالي في التعامل مع الأحداث، ونجاح خطط إدارة الأزمة واحتوائها.
ولعل أكبر شاهد على هذا النجاح بأنه لم يشعر أحدنا بأي تعثر في خطوط الإنتاج أو توقف للخطط التنموية ، أو حدوث تهديد صريح على أرض الواقع.
ولا يفوتنا أن نشير إلى تلك الخطوة الذكية التي قامت بها وزارة الطاقة وبالتأكيد بالإتفاق مع الجهات المعنية، في إخفاء آثار بعض الضربات الآثمة التي طالت عدد من المنشآت النفطية في دولتنا الحبيبة، مما أسهم في حالة أمنية مستتبة في المجتمع طوال فترة الأزمة.
وهذا ما كان ليحدث لولا حسن الإدارة، وضبط النفس في مواضعه الصحيحه، ومن ثم إيجاد حلول سريعة لتعويض النقص الحاصل دون بث أدنى حالة من الذعر، سواءً على المستوى المحلي أو الإقتصاد العالمي.
وأقول هنا ؛ تعود الأزمات من وقت لآخر لتقيس مدى تقدمك، وارتفاع مقاييس الإدارة والضبط لديك عما مضى.
تعود لتبرهن على نجاحك، وعلوّ كعب انتصارك مرة تلو أخرى، ولتعلمك كشف الورق الذي كنت تخشى كشفه من قبل والبحث في أروقته، ومعرفة حقيقة ما تخفيه، ومن ثم التعامل معه كما ينبغي، دون غض الطرف أو التظاهر بعدم الفهم، ومعرفة كيفية البتر لما لا حاجة لك به سوى بث الفوضى وحجب الرؤية.
وذلك مما يسهم في بناء حالة من الإستقرار وسلام نفسي مرتفع السقف، يصعب الوصول إليه أو العبث بمقدراته، على المستوى الشخصي أو المنظماتي.
تعود الأزمات دوماً ومراراً وتكراراً ؛ لتعلمك من تصافح بيدك اليمنى، ومن يجب أن تصفعه بكامل إرادتك بيسراك، وركله خارج منظومة علاقاتك الخاصة منها أو حتى العامة ..
هذا ولكل مقام مقال؛ وفي ذلك قلت قولي هذا .

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى