بين الوعي والإنكار كيف نخدع أنفسنا لنحتمي ؟

✍️ د. عبدالرزاق آل سعد _كاتب في الصحة النفسية و الاجتماعية :
عندما أكتب عن الوعي والإنكار لا أكتب عن مفهومين متناقضين فقط بل عن تلك المساحة الرمادية داخل الإنسان، حيث تختلط الحقيقة بالخوف، ويصبح الهروب أحيانًا أكثر راحة من المواجهة. هناك، في أعماق النفس، تبدأ حكاية خداع الذات.
في حياة الإنسان، لا يكون الصراع دائمًا مع العالم الخارجي، بل كثيرًا ما يكون داخليًا، صامتًا لا يُرى ،الوعي يعني أن نرى الحقيقة كما هي دون تزييف، بينما الإنكار هو محاولة ناعمة لإخفاء هذه الحقيقة حين تصبح مؤلمة أو مهددة لتوازننا النفسي. ومن منظور نفسي، لا يُعد الإنكار ضعفًا، بل هو آلية دفاعية تلجأ إليها النفس لتحتمي عندما تعجز عن المواجهة.
نعيش هذا الصراع في تفاصيلنا اليومية قد يكون هناك علاقة ندرك أنها تستنزفنا لكننا نستمر في تبريرها او في وظيفة لا تشبه طموحنا لكننا نقنع أنفسنا بأنها “كافية”، أو في مشاعر نتجاهلها لأن الاعتراف بها قد يغير الكثير مما اعتدنا عليه نحن لا نجهل، بل نؤجل.
يترسخ هذا الإنكار في بيئات مجتمعية لا تتقبل الهشاشة الإنسانية، حيث يُنظر للتعبير عن الألم على أنه ضعف، وللصمت على أنه قوة ،فينشأ الفرد وهو يتقن إخفاء مشاعره، ويُجيد تزيين واقعه، حتى ينسى أحيانًا ما يشعر به حقًا وهنا، يتحول الإنكار من وسيلة حماية مؤقتة إلى نمط حياة.
خداع الذات لا يعني الكذب بقدر ما يعني إعادة صياغة الواقع بطريقة أقل إيلامًا. نُكرر لأنفسنا عبارات مثل: “سيتغير الوضع”، “أنا بخير”، “يمكنني التحمل”… لكنها في الحقيقة محاولات لتهدئة القلق وتأجيل لحظة المواجهة.
لكن مع مرور الوقت، لا تختفي الحقيقة، بل تتراكم داخلنا. المشاعر التي لا نواجهها تتحول إلى توتر، أو قلق، أو شعور غامض بالثقل. وهنا، يصبح الإنكار عبئًا بدل أن يكون ملاذًا.
الانتقال من الإنكار إلى الوعي لا يحدث فجأة، بل يبدأ بلحظة صدق بسيطة مع الذات: أن نعترف بما نشعر به دون تبرير أو تهوين. هذا الاعتراف ليس ضعفًا، بل هو بداية التحرر. فالوعي، رغم قسوته أحيانًا، هو الطريق الوحيد نحو التغيير الحقيقي.
وفي البعد الاجتماعي، نحن بحاجة إلى ثقافة أكثر تقبلًا للصدق النفسي، بيئة تسمح لنا أن نقول “نحن لسنا بخير” دون خوف من الحكم. لأن الإنسان حين يشعر بالأمان، لا يحتاج إلى الإنكار.
في النهاية، نحن لا نخدع أنفسنا لأننا نحب الوهم، بل لأننا نحاول أن نحتمي من الألم. لكن ما نتجنبه اليوم، قد يكون هو المفتاح لراحة نبحث عنها منذ زمن. فبين الوعي والإنكار… لا يكمن فقط صراعنا، بل تكمن أيضًا فرصة حقيقية للنضج إن امتلكنا شجاعة المواجهة .
للتواصل : [email protected]



