دروس في دراما الابتلاء: حين يأتيك الوجع من مكمن الأمان

✍️أ د محمد شايع الشايع – كاتب سعودي – استاذ التوعية البيئية والدراسات. الاجتماعية بجامعة الملك سعود :
منذ أن وطئت قدم الإنسان هذا الكوكب، لم يكن الصراع مجرد حادثة عابرة في سجلات الزمن، بل كان خيطاً غليظاً نُسجت منه حكايات الوجود، والتعايش، والتمايز. وفي ذلك الفضاء الفسيح بين “الطين والروح”، انطلقت الشرارة الأولى من الملأ الأعلى؛ حين استكبر إبليس عن السجود لآدم، فرأى في الطين نقصاً وفي “الأنا” رفعة. كانت تلك هي البداية؛ شرارة الحسد التي أخرجت العداوة من عالم الشعور الخفي إلى عالم الفعل المدمر، لتدشن رحلة الإنسان مع الابتلاء الأشد: أن يُطعن المرء من حيث أمن، وأن يأتيه الوجع من مكمن سكنه.
لم يلبث هذا الصراع أن هبط من سماء الغيب إلى أديم الأرض، ليتجسد في أول تراجيديا بشرية؛ حيث سال دم “هابيل” بيد أخيه “قابيل”. لم يكن الدم المسفوح حينها ضريبة حرب أو ذوداً عن أرض، بل كان قرباناً قُدِّم على مذبح الغيرة التي لم تُهذَّب. وفي تلك اللحظة القاسية، وُلد الاختبار الأبدي للبشرية: أن يكون الخصم أحياناً من ذات الصُّلب، وأن تتحول القرابة التي هي ميثاق أمان إلى جسر للألم وعنوان للنكد حين يغيب الوعي ويستبد الهوى.
وتستمر فصول الرواية عبر قطار التاريخ، لتكشف لنا أن هذا الامتحان لم يكن استثناءً، بل كان سنة جارية حتى في بيوت الأنبياء وصفوة الخلق. فها نحن نقف مع “نوح” عليه السلام على شاطئ الفقد، وهو يرقب الموج الذي يتلاطم كالجبال، وينادي بملء انكساره: “يا بني اركب معنا”؛ فيأتيه الرد صخرة عاتية تقطع نياط القلب، لتعلن أن لجاجة العقوق قد تفصم حتى رابطة العقيدة والدم.
ومن مشهد الغرق، ننتقل إلى مشهد النار والتوحيد مع “إبراهيم الخليل”؛ الذي بنى للأمة أصل إيمانها، لكنه وقف برقة النبوة يستعطف أباه “آزر”: “يا أبتِ”، فما وجد إلا تهديداً بالرجم وهجراً مليّاً. وحتى “لوط” عليه السلام، لم يكن جرحه غائراً بسبب غريب، بل جاء من شريكة دارٍ اختارت أن تكون ظهيراً للمفسدين، ليجد نفسه محاصراً بالابتلاء بين جدران بيته، لا خلف الحصون.
ثم تبلغ الدراما ذروتها في السيرة النبوية؛ حيث واجه النبي محمد ﷺ أذىً لم تنفث مرارته قريش البعيدة فحسب، بل نفثه أقرب الناس إليه من أعمام وبني عمومة. كان الصراع هناك اختباراً لصلابة اليقين أمام جفاء ذوي القربى، ومن رحم ذلك الوجع، وُلدت أعظم مدرسة للتسامح في التاريخ؛ مدرسة لم تنتصر للذات الجريحة، بل انتصرت للحق السامي، مكرسةً أن القرابة ميثاق غليظ لا ينبغي لنكد الأيام أن يبتره.
وفي فصلٍ آخر من سِفر “اختبار الرحم”، نجد إخوة يوسف عليه السلام وقد أعمى بريق الغيرة بصائرهم، فاستبدلوا مهاد الرحمة ببئر الغدر. لكن القصة هنا لا تنتهي عند السقوط، بل ترتقي بنا نحو مشهد العناق الأخير، حيث مسح العفوُ آثار السنين، وأثبت أن “الصبر على الوصل” هو القوة الوحيدة القادرة على ترميم ما هدمه نزغ الشيطان.
إن هذه السلسلة الممتدة من قابيل إلى يوسف، وصولاً إلى بيت النبوة، لم تُخلّد لمجرد السرد أو استدرار الدموع، بل لتكون “بوصلة” لكل من أرهقه نكد الأقربين. إنها تعلمنا أن الخلاف داخل الدائرة الضيقة هو أشد أنواع الابتلاء، لكنه أيضاً أرفع أبواب الارتقاء؛ فالتعايش الذكي مع هذا الواقع لا يعني الاستكانة للظلم، بل يعني فهم تعقيدات النفس البشرية، وخفض سقف التوقعات من الخلق ليرتفع صدق الاتصال بالخالق.
إن الصبر على أذى القريب هو “الجهاد الخفي”، وتجاوزٌ لا يبلغه إلا من أدرك أن الصلة عبادة لا مقايضة. فأن تصل من قطعك، وتحسن لمن أساء إليك، هو الاستثمار الحقيقي في بركة الرزق ورفعة الدرجات. ويبقى التاريخ شاهداً على أن أعظم الانتصارات لم تكن يوماً في كسر الخصم، بل في الحفاظ على القلب نقياً وصيانة الود من الاندثار. فكل غصّة صبرنا عليها ابتغاء وجه الله هي لبنة نور في صرح الرضا، وكل عفو خرج من قلب موجوع هو قصر يُبنى في سماء الخلد.
للتواصل : [email protected]



