كتاب الرأي

من “المهاش” إلى هرم “هيئة التأمين” ملحمة المهندس ناجي التميمي.. إرادة صاغتها التحديات

✍️أ د محمد شايع الشايع_ كاتب سعودي _ استاذ التوعية البيئية والدراسات الاجتماعية بجامعة الملك سعود :

تبدأ حكايتنا من طمأنينة الريف وسكينته، مروراً بخوارزميات الهندسة الكيميائية، وصولاً إلى لغة الاكتواريات التأمينية المعقدة، قصةٌ مفعمةٌ بالبطولة لا بالنرجسية، لم تُقدّم لصاحبها في ملعقة من ذهب، بل صقلها شغف الحياة، وصانتها إرادة التحدي الشخصية، هي ليست مجرد أسطر تُكتب بالحبر، بل مسيرة صاغها صمت الصبر، وإيمانٌ لا ينكسر بأن القادة لا تصنعهم الصدفة، بل تصقلهم الشدائد والمواقف.

خيوط القصة بدأت من قرية “المهاش” الوادعة في ريف حائل الجنوبي، حيث الحياة بسيطة تفتقد لضجيج المدن ومقوماتها، وهناك وُلد الطموح دون ضجيج. وفي فصول مدرسة المهاش الابتدائية عام 1398هـ، خط بطلنا أولى حروفه، متنقلاً بعدها نحو مدارس “الغزالة” وصولاً إلى محطة الوداع في “ثانوية الصداعية”. لم تكن تلك القرى مجرد مسقط رأس، بل كانت المعلم الأول الذي ألبسه هندام الصبر، وأدرك فيها بأن جذور النخل كلما تعمّقت في الأرض، علت فروعها في السماء، ففي مزارع “المهاش” ومجالس أهلها، واجه المهندس ناجي التميمي صعوبات التعلم وغياب المحاكاة التعليمية بقلبٍ وثاب، وزاد من اختبار القدر فقدُه لوالده في مرحلة الدراسة الجامعية، تلك اللحظة التي قد تسبب انتكاسة للبعض، لكنه حمل الفقد كرسالة خفية تدعوه للاعتماد على الذات، مسنوداً بدعم إخوته الذين كانوا له عضداً في مواجهة عواصف الحياة.

بينما كان طموح أقرانه في تلك القرى يميل نحو الخيارات المتاحة والمألوفة، عقد هو العزم واتجهت بوصلته نحو أروقة جامعة الملك سعود. لم تكن “الهندسة الكيميائية” هناك مجرد تخصص أكاديمي، بل تحولت إلى منهج تفكير، تعلّم منها تفكيك الأزمات وإعادة صياغة المعادلات الصعبة، وفي مختبراتها درس بناء الحلول وحل المشكلات. وفي عام 1995م، لم يكن تخرجه نهاية مرحلة، بل كان ولادة عقلٍ قيادي يرى في كل تحدٍ فرصة كامنة. وعلى عكس السائد حينها، لم يبحث المهندس ناجي عن “دفء” الوظيفة الحكومية، بل عانق أمواج القطاع الخاص برباطة جأش، فبدأ رحلته في شركة “التعاونية للتأمين” حين كان القطاع في طور التشكل، لكنه أدرك ببعد نظره أنه سيكون أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي الوطني. حمل طموحه إلى “ميونخ” الألمانية، لينهل العلم من أروقة (Munich Re) العالمية، ويتعلم أن التأمين ليس مجرد منتج، بل فلسفة تدار بها المخاطر وتُصان بها المكتسبات.

وعبر مسيرةٍ حافلة من التدريب وتطوير المهارات، تشرّب خصال القيادة الرقمية، فعاد إلى أرض الوطن برؤية عالمية وروح محلية وثابة، ساهم بفاعلية في تأسيس شركة “ملاذ”، ثم ارتقى في شركة (Aon) العالمية حتى أصبح رئيساً تنفيذياً مشاركاً في الشرق الأوسط. ولم يتوقف طموحه عند حدود الإدارة التقليدية، بل قاد التحول الرقمي عبر منصة “تأميني”، ليعيد تعريف تجربة العميل بجسرٍ تقني ذكي يخدم الإنسان. وفي نوفمبر 2023م، حانت لحظة الاستحقاق، حيث نال ثقة القيادة بتعيينه رئيساً تنفيذياً لـ “هيئة التأمين” بالتزامن مع تأسيسها كجهة موحدة لتنظيم القطاع، ليكون هذا التعيين اعترافاً بمسيرة من الإتقان، وثقةً في رجلٍ يعرف كيف يحوّل الرؤية إلى واقع ملموس، ويقود قطاعاً استراتيجياً نحو آفاق “رؤية المملكة 2030″، مديراً لملفات معقدة تتجاوز التأمين الصحي وتأمين المركبات إلى آفاق تأمين الكوارث، والممتلكات، والطاقة، والمحاصيل الزراعية، وحماية حقوق الشركات.

إن قصة ناجي التميمي لا تُقرأ كسيرة نجاح تقليدية، بل كدرسٍ حي في معنى أن تصنع من “النقص” اكتمالاً، ومن البدايات المتواضعة أفقاً لا يُحد. هي رسالة لكل شاب طموح بأن الطريق لا تفرضه الظروف، بل ترسمه الإرادة، وأن القمم ليست حكراً على من وُلدوا في سهول الفرص، بل هي لمن صعدوا إليها من وعورة التحدي. لقد أثبت ابن “المهاش” أن الأوطان تُبنى بالعقول التي تؤمن، والقلوب التي تصبر، والرجال الذين يصنعون من عثرات البداية دروعاً للمستقبل. فمباركٌ للوطن تميز أبنائه، ومباركٌ لقطاع التأمين هذا الربان، ورحم الله وغفر لوالده عبد الله الفيصل ولوالدته ثريا العيادة، فبه وبأمثاله تفخر، ونفاخر بصناع محتوى حقيقين، وبهم ومنهم بعد توفيق الله تتميز مؤسسات الوطن وتنميته الاقتصادية.

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. احسنت يادكتور محمد ، هنيئًا للوطن ولنا بمثل ابا فيصل الذي كرس جهده ووقته لخدمة الوطن وأبناءه حتى كسب ثقة القيادة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى