كتاب الرأي

بين السلاسة والسطحية: أين يختبئ المعنى؟

       ✍️ريم منصور سلطان _ كاتبة سعودية :

في الضفة الأخرى من التعقيد المبالغ فيه يقف كتابة تبدو للوهلة الأولى قريبة و سهلة لكنها في حقيقتها مفرغة عابرة لا تترك أثرًا، ولا تفتح نافذةً واحدة في روح القارئ، كتابةٌ لا تُرهق العقل ولا توقظ الروح لا تُقصي القارئ، لكنها بصورةٍ أكثر خفاءً لا تراه أصلًا.
ضحالة الكتابة ليست في بساطتها، فالبساطة فضيلة حين تكون مُحمّلة بالمعنى إنما المشكلة في تفريغ اللغة من عمقها، في الاكتفاء بالقشور، وفي تقديم الأفكار كوجباتٍ سريعة تُستهلك وتُنسى في نفس اللحظة، نصوص تُكتب لتُمرَّر، لا لتُعاش، تُقرأ بعينٍ واحدة وتُنسى قبل أن تصل إلى القلب القارئ كأن الكتابة تحولت من رحلة اكتشاف إلى تمريرٍ سريعٍ فوق سطحٍ لا نجرؤ على الغوص فيه.
المشكلة الأعمق أن هذه الكتابة لم تعد ترى القارئ ككائنٍ ينمو هي تراه كمتلقٍ مستعجل لا وقت لديه للتأمل، ولا رغبة لديه لتحدي، فتُقدَّم له اللغة مُسطّحة، مُروّضة، خالية من الدهشة، كأننا نخشى عليه من أي تعقيد ذلك التعقيد الضروري الذي يصنع الفهم وهنا، لا يعود القارئ شريكًا في النص هو يصبح مستهلكًا فقط.
واللغة، حين لا تُستَخدم في أقصى طاقتها، تذبل فالمفردات تضيق، التراكيب تتكرر، والخيال ينكمش، ومع الوقت لا يخسر القارئ فقط، إنما يخسر الكاتب أيضًا، إذ يعتاد الطريق الأسهل، ويفقد قدرته على التعبير الأعمق، وهكذا ندخل في حلقةٍ مفرغة: قارئ لا يُطالب، وكاتب لا يُغامر.
لكن هل نحن ككُتّاب مسؤولون عن رفع المستوى اللغوي للقارئ؟
ربما ليست مسؤوليتنا أن نُعلّم القارئ من موقعٍ فوقي، ولا أن نفرض عليه لغةً لا تشبهه، لكننا بالتأكيد مسؤولون عن ألا نُسهم في إفقار لغته، نحن مسؤولون عن أن نكتب بصدقٍ واحترام، أن نمنحه نصًا يُعامله كعقلٍ حي، لا كنافذةٍ للمرور السريع. أن نُبقي الباب مفتوحًا بين الوضوح والعمق، بين السلاسة والغنى.
الكتابة الجيدة لا تُبسّط إلى حد الابتذال ولا تُعقّد إلى حد الإقصاء، إنها تمشي على خيطٍ دقيق بين الاثنين، حيث يكون المعنى واضحًا بما يكفي ليُفهم، وعميقًا بما يكفي ليُستعاد. نصٌ يترك في القارئ أثرًا خفيفًا في البداية، ثم يكبر داخله ببطء، كفكرةٍ لم تكتمل بعد كدهشةٍ مؤجلة.
القارئ ليس هشًا كما نتصور ولا كسولًا بطبيعته، هو فقط اعتاد ما نقدمه له فإذا اعتاد الضحالة اكتفى بها، وإذا قُدّم له نصٌ يُحترم فيه يرتقي معه فالعلاقة بين الكاتب والقارئ ليست علاقة تلبية، هي علاقة تشكيلٍ متبادل.
في النهاية، ليست القضية أن نكتب بلغةٍ صعبة أو سهلة،ولكن أن نكتب بلغةٍ حيّة، لغةٍ تحمل معنى و تُثير سؤالًا، وتُضيف شيئًا لو كان صغيرًا إلى وعي من يقرأ، لأن الكتابة في جوهرها ليست مجرد كلمات تُقال هي أثرٌ يُترك ومن لا يترك أثرًا، مهما كان واضحًا يظل عابرًا كأنه لم يكن.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى