كرتي حكاية الطفولة وصناعة الأبطال

✍️ سمير منصور الفرشوطي :
في أولى سنوات العمر، حين لا يعرف الطفل سوى الفرح العفوي، وتغمره الأحلام البسيطة، كان الصوت الأعلى في الحي هو ضحكات الصغار وهم يركضون خلف كرة، يُرددون أنشودة ما زالت تعيش في الذاكرة:
“كرتي كرتي ما أحلاها
ما أحسنها ما أبهاها
كرتي تعلو حتى السقف
وأنا أعدو وأخي خلفي
من يلقطها دون الثاني
كان السابق في الميدان
بهذه الكلمات، وبهذه اللعبة التي لم تكن تملك وزناً ولا لوناً ثابتاً، بدأ الحلم. لم تكن هناك ملاعب مغطاة، ولا مدرّجات صاخبة، بل شوارع ضيقة، سكك ترابية، وزوايا بين المزارع… هناك كانت أولى خطوات أبطال الكرة السعودية.
في زمن الذكريات، حيث لا شيء يُشبه هذا الزمن، نشأ جيل آمن بالكرة قبل أن يعرف الشهرة. كانوا يلعبون “باكورة”، يحيكون مباريات خيالية بين البيوت، يشكّلون الفرق من أبناء الجيران، ويصنعون من التراب ملعبًا، ومن العلب مرمى.
من هذا البساط الترابي، خرجت أسماء لا تُنسى. هناك، في صخب الحارة وصمت الليل، وُلد محمد الدعيع، وقفز إلى التاريخ. تبعه ماجد عبدالله، سامي الجابر، سعيد العويران، فهد المهلل، فؤاد أنور، فهد الهريفي، أحمد جميل، محمد الخليوي، عبدالله سليمان، ورفاقهم… جيل صنع هيبة الكرة السعودية، وترك بصمة لا تمحى.
لم يكن هؤلاء يركضون خلف المال، بل خلف حلم وُلِد من طفولة صافية، ومن نشيد عالق في الذاكرة. كانوا أبناء الشوارع… أبناء “كرتي تعلو حتى السقف”، أبناء المنافسة البريئة، والروح العالية، والتعب الممتع.
إنهم أبناء زمن الطيبين، زمنٍ لا يعود، لكنه يسكن القلوب، ويظل مصدر إلهام لمن أراد أن يصنع المجد ببساطة، ويبدأ الحكاية من الحارة، لا من الواجهة .



