كتاب الرأي

الفركتوز والكبد: ماذا يحدث داخل الجسم عند تناول السكر؟

✍️ د. حليمه عبدالله عسيري – كاتبة سعودية :

يُعد الفركتوز أحد السكريات البسيطة الموجودة طبيعيًا في الفواكه والعسل، كما يدخل في تركيب العديد من السكريات والمحليات المستخدمة في الأغذية والمشروبات. ولأن الكبد هو الموقع الرئيسي لاستقلاب الفركتوز، فقد أصبح موضوعًا مهمًا في أبحاث التغذية وصحة الكبد.

لكن السؤال الأهم ليس: هل الفركتوز ضار؟

بل: كيف يتعامل الجسم معه؟ ومتى يمكن أن يصبح الإفراط في تناوله مشكلة؟

ماذا يحدث للفركتوز بعد تناوله؟
بعد امتصاص الفركتوز من الجهاز الهضمي، ينتقل جزء كبير منه عبر الوريد البابي إلى الكبد، حيث يخضع لعدة عمليات أيضية.
يمكن استخدام نواتج استقلاب الفركتوز في إنتاج الطاقة أو في إعادة تكوين مخزون الجليكوجين. كما يمكن أن تدخل هذه النواتج في مسارات تصنيع الأحماض الدهنية في الكبد، وهي عملية تُعرف باسم تكوين الدهون الجديد (De novo lipogenesis).
ويزداد أهمية هذا المسار عند استهلاك كميات مرتفعة من الفركتوز، خصوصًا عندما يترافق ذلك مع فائض مستمر من الطاقة.
وهنا يجب توضيح فكرة شائعة:
ليس كل فركتوز نتناوله يتحول مباشرة إلى دهون.

فاستجابة الجسم تعتمد على كمية الفركتوز، وإجمالي الطاقة المتناولة، ومخزون الجليكوجين، والنشاط البدني، والحالة الأيضية للفرد.

لماذا يُذكر الكبد كثيرًا عند الحديث عن الفركتوز؟
لأن الكبد يؤدي دورًا محوريًا في استقلاب الفركتوز.
وعندما تصل إليه كميات كبيرة من الفركتوز بصورة متكررة، يمكن أن تزداد مساهمة نواتج استقلابه في مسارات تصنيع الدهون. ومع وجود فائض من الطاقة وعوامل أيضية أخرى، قد يساهم ذلك في زيادة تراكم الدهون في الكبد.

لكن من غير الدقيق اختزال مرض الكبد الدهني في الفركتوز وحده؛ فهناك عوامل متعددة قد تساهم في حدوثه، مثل زيادة الوزن، ومقاومة الإنسولين، وفائض السعرات، وقلة النشاط البدني، والنمط الغذائي العام، إضافة إلى عوامل وراثية وأيضية.

الفاكهة ليست مثل المشروبات المحلاة
من الأخطاء الشائعة وضع الفاكهة والمشروبات السكرية في الفئة نفسها لمجرد احتوائهما على الفركتوز.
الفاكهة الكاملة تحتوي إلى جانب السكريات على الماء والألياف والفيتامينات والمعادن ومركبات نباتية أخرى، كما أن تناولها يختلف من حيث الشبع وسرعة استهلاك السكر عن تناول المشروبات المحلاة.
أما المشروبات المحلاة، فيمكن أن توفر كميات كبيرة من السكريات خلال فترة قصيرة، مما يسهل زيادة إجمالي السعرات المتناولة.

ولهذا، عند الحديث عن الفركتوز، يجب ألا ننظر إلى نوع السكر فقط، وإنما إلى مصدره والكمية المستهلكة والنظام الغذائي بالكامل.
هل الفركتوز هو سبب دهون الكبد؟
الإجابة العلمية ليست مجرد «نعم» أو «لا».

تشير الدراسات إلى أن استهلاك كميات مرتفعة من الفركتوز، وخصوصًا من المشروبات والسكريات المضافة، يمكن أن يزيد تصنيع الدهون في الكبد، وقد يرتبط بزيادة خطر تراكم الدهون الكبدية في بعض الظروف.
لكن دهون الكبد لا تنتج عن تناول الفركتوز وحده.
فالمرض يرتبط بمنظومة واسعة من العوامل الأيضية والغذائية، ولذلك من غير الدقيق القول إن تناول الفركتوز بحد ذاته يعني الإصابة بالكبد الدهني.
الأدق هو القول إن الإفراط المزمن في السكريات والسعرات، خصوصًا ضمن نمط غذائي غير متوازن، يمكن أن يزيد العبء الأيضي على الكبد ويساهم في تراكم الدهون لديه.
الكمية والمصدر يصنعان الفرق
عند الحديث عن التغذية، لا يكفي أن نسأل عن وجود عنصر غذائي معين، بل يجب أن نسأل:
كم نستهلك منه؟ ومن أي مصدر؟ وضمن أي نمط غذائي؟
فتناول ثمرة فاكهة كاملة يختلف بشكل كبير عن استهلاك كمية كبيرة من السكر من خلال مشروب محلى.
ولهذا لا يعني الاهتمام بالفركتوز الامتناع عن الفواكه، وإنما يعني الحد من الإفراط في السكريات المضافة والمشروبات المحلاة، والاعتماد على نظام غذائي متوازن ومتنوع.
الخلاصة

الفركتوز ليس مادة يجب الخوف منها، والفاكهة ليست عدوًا للكبد.
الكبد يمتلك قدرة كبيرة على استقلاب المغذيات، والفركتوز جزء طبيعي من بعض الأطعمة التي نتناولها. إلا أن الاستهلاك المرتفع والمتكرر للسكريات، خصوصًا عندما يصاحبه فائض من السعرات، يمكن أن يؤثر في مسارات استقلاب الدهون ويزيد العبء الأيضي على الكبد.
لذلك، ربما يكون السؤال الأكثر فائدة ليس:
«هل الفركتوز ضار؟»
بل:
«كم أتناول منه؟ ومن أين يأتي؟ وكيف يبدو نظامي الغذائي بالكامل؟»
ففي التغذية، الكمية والمصدر والسياق الغذائي أهم من الحكم على عنصر غذائي واحد بمعزل عن بقية النظام الغذائي.

المراجع العلمية
Geidl-Flueck, B., & Gerber, P. A. (2023). Fructose drives de novo lipogenesis affecting metabolic health. The Journal of Endocrinology, 257(2).
Softic, S., Cohen, D. E., & Kahn, C. R. (2016). Role of Dietary Fructose and Hepatic De Novo Lipogenesis in Fatty Liver Disease. Digestive Diseases and Sciences, 61(5), 1282–1293.
Hengist, A., Koumanov, F., & Gonzalez, J. T. (2019). Fructose and metabolic health: governed by hepatic glycogen status? The Journal of Physiology, 597(14), 3573–3585.
Ameer, F., Scandiuzzi, L., Hasnain, S., Kalbacher, H., & Zaidi, N. (2014). De novo lipogenesis in health and disease: more than just a shunting yard for glucose. Biological Reviews.
World Health Organization. (2015). Guideline: Sugars intake for adults and children. Geneva: World Health Organization.
World Health Organization. Healthy diet. World Health Organization.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى