كتاب الرأي

صوت من أعماق التاريخ

         ✍️ صفيه ملا – كاتبة سعودية :

أنا تاريخكم، أنا الذاكرة التي تسكن في حجارة قلاعكم، وفي نقوش مساجدكم، وفي حكايات جداتكم. أنا الصدى الذي يتردد في أوديتكم، وصوت الأجيال التي مشت على هذا التراب قبلكم.
لقد رأيت ما لا يمكن لعين أن تراه، وعشت ما لا يمكن لقلب أن يتحمله. رأيت إمبراطوريات تولد وتموت، ومدناً تُبنى وتُهدم، وحروباً تشتعل وتنطفئ. وفي كل مرة، كنت أرى نفس الخوف في عيون الناس، ونفس السؤال يرتجف على شفاههم: “هل هذه هي النهاية؟”.
واليوم، أعود وأهمس في قلوبكم بنفس الجواب الذي همست به في قلوب أجدادكم من قبل: “لا، هذه ليست النهاية”
هل تظنون أن أجدادكم كانوا أقوى منكم؟ هل تعتقدون أنهم لم يعرفوا الخوف أو اليأس؟ على العكس، لقد عرفوا الخوف حتى سكن في عظامهم، وعاشوا اليأس حتى ظنوا أنه لا فجر بعد ليلهم لكنهم امتلكوا سراً، سلاحاً لا يُرى، درعاً لا يُكسر، لقد امتلكوا الإيمان.
لم يكن إيمانهم مجرد طقوس يؤدونها، بل كان بوصلة توجههم في أحلك الظلمات. كانوا يؤمنون بأن هناك نظاماً لهذا الكون، وأن للتاريخ معنى، وأن حياتهم ليست مجرد صدفة عابرة. كانوا يؤمنون بأنهم جزء من قصة أكبر، قصة كتبها خالق عظيم، وأن دورهم هو أن يؤدوا أمانتهم بثبات، وأن يغرسوا فسيلتهم حتى لو قامت القيامة.
هذا الإيمان بالقدر هو الذي منحهم السكينة في قلب المعركة، والهدوء في وجه العاصفة. لقد علموا أنهم مسؤولون عن السعي، لا عن النتيجة. فكانوا يبنون ويزرعون ويقاتلون، ثم يرفعون رؤوسهم إلى السماء بقلوب مطمئنة، موقنين أن ما كتبه الله لهم هو الخير، حتى لو لم تدركه عقولهم القاصرة.
هذه الأرض التي تمشون عليها ليست مجرد تراب وصخر. إنها أمكم. لقد ارتوت بعرق أجدادكم، وحفظت دموعهم، وضمت رفاتهم. في كل شبر منها، هناك قصة بطولة، أو قصيدة حب، أو صلاة خاشعة.
حبكم لها ليس خياراً، بل هو فطرة، هو امتداد لحبكم لأمهاتكم، هو وفاء لدين لا يمكن سداده.
لقد رأيت هذه الأم تُجرح مرات ومرات. رأيت الغزاة يدوسون على طهرها، والمحن تحاول كسر كبريائها. لكن في كل مرة، كانت تنهض من جديد. كانت تلملم جراحها، وتضمدها بصبر أبنائها، وتستعيد عافيتها بتضحياتهم. لأنها تعرف أن جذورها أعمق من أي سيف، وأن حب أبنائها لها أقوى من أي نار.
دعمكم لوطنكم ليس مجرد واجب، بل هو رد للجميل. هو أن تكونوا أوفياء لتلك الدماء التي سالت لكي تبقوا، ولتلك الدموع التي ذُرفت لكي تبتسموا. كل منكم حارس على ثغر من ثغور هذا الوطن، الطبيب في مستشفاه، والعامل في مصنعه، والفلاح في حقله، والمعلم في صفه. كل فعل بناء تقومون به هو حجر تسدون به ثغرة في سور هذا الوطن العظيم.
لقد علمني الزمن أن الصبر ليس قعوداً وانتظاراً، بل هو فن إدارة القوة. إنه حكمة المحارب الذي يعرف متى يضرب ومتى ينتظر. إنه بصيرة الفلاح الذي يعرف أن البذرة تحتاج وقتاً تحت التراب لتنمو. لقد صبر أجدادكم حين كانت القوة في الصبر، وقاوموا حين كانت الكرامة في المقاومة.
صبركم اليوم هو امتداد لصبرهم. إنه أن تحافظوا على رباطة جأشكم حين يحاول العدو بث سمومه بينكم. إنه أن تحافظوا على وحدتكم حين يسعى لتمزيق صفوفكم. إنه أن تتمسكوا بالأمل حين يروج لليأس. هذا الصبر هو أقوى سلاح تملكونه، لأنه سلاح لا يمكن لأحد أن ينتزعه منكم.
أنتم لستم جيلاً معزولاً يواجه مصيره وحيداً. أنتم حلقة في سلسلة ذهبية طويلة، تمتد من أعماق الماضي إلى آفاق المستقبل. في عروقكم تجري دماء الأبطال، وفي قلوبكم تنبض حكمة الصالحين، وعلى أكتافكم ترتكز أحلام الأجيال القادمة.
لقد مررنا بما هو أصعب من هذا، وعبرنا ما هو أشد من هذا. وفي كل مرة، كنا نخرج من المحنة أقوى وأصلب وأكثر وحدة. فلا تخافوا. ارفعوا رؤوسكم، وثقوا بربكم، وتمسكوا بأرضكم، ووحدوا صفوفكم. فالتاريخ لا يكتب قصص الجبناء، بل يخلد صمود الشجعان.
وأنا، تاريخكم، أعدكم بأنني سأكتب عنكم كما كتبت عن أجدادكم:
<< لقد كانوا هنا، ثبتوا، وأبدعوا فانتصروا>>

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى