الكتابة مابين اللوغوس والديالكتيك

✍🏻 مها الشاعر :
“الكتابةُ هي دائماً رمزية، مُتجهة صوب منحدرٍ سرديٍّ للغة، كلُّ ما يُكتب يناقشُ قضيةً ما، يحاول إبراز كلِّ ما يتعلَّقُ بهذه القضية. أما الكلام لا يعدو كونه ديمومة من الإشارات الفارغة التي تكوِّنُ حركتها، الكتابة تتميَّزُ عن الكلام باعتبارها شيئاً مخيفاً، على حدِّ تعبير السيميولوجي” رولان بارت (1915- 1985)..
مركزية اللوغوس أو ” logocentrism” وهو مصطلح فلسفي يشير إلى الإعتقاد بأن الكلمة المنطوقة والمشار إليها باللوغوس هي المصدر الأساسي للمعنى وأنها تتفوق على اللغة المكتوبة.
وفي الفكر الغربي غالباً ما ارتبط اللوغوس بالكلام ، مما أدى إلى تفضيل الكلام على الكتابة في الفلسفة والأدب والخطاب .
وبالعودة إلى أصل الكلمة في الفلسفة اليونانية نجد أن اللوغوس يشير إلى العقل، والكلمة، والنظام، والقانون. ولقد استخدمه الفلاسفة اليونانيون لوصف المبدأ الكامل وراء الكون والمنطق الذي يحكمه.
بينما في روما في مطلع إنجيل يوحنا يتبلور مصطلح اللوغوس بأنه الكلمة والكلمة كانت عند الله، ومنها بدء كل شيء في هذا الكون .
في حين اندمجت المعرفة اليونانية العقلانية بالثقافة الدينية الرومانية والتي لطالما كانت دائماً ما تتبع المنطق والعقل وتغلبه على ما دونه ، ليتخذ اللوغوس في ذلك الوقت طابع معرفي ديني عقلاني ملفوظ بحت ، يرفض القالب المكتوب رفضاً قاطعاً اعتقاداً جازماً منهم بأن اللغة المكتوبة تُفقِد المعنى روحه الحية .
ولهذا كان معظم فلاسفة اليونان والذين عليهم قامت معظم المعارف والعلوم ، يتفقون على أن الكتابة تسلب الكلمة حقيقتها وطبيعتها وذلك بأنها قد تأخذ الكلمة إلى تأويلات واتجاهات عدة غير ذات صلة بالمنطوق، لذا فُضلت الخطابات الحية والكلمة المنطوقة على الكتابة بكافة أشكالها في ذلك الوقت.
وذهب بعض هؤلاء الفلاسفة إلى أنّ تدوين “الحقيقة” بالكتابة هو تدنيس لها. وكان سقراط يرفض رفضاً باتاً أن تدوّن فلسفته، لأن الحقيقة فيها لا يمكن أن يحتويها جلد حيوان أو حجر جامد بدل النفس الزكية الطاهرة.
“إن الكتابة تمارس خطراً على الدائرة، فهي آفة لا يُطمئن لها، شأنها كشأن كل الآفات التي يجب الحذر منها”.. أفلاطون .
ولعل من أبرز أسباب رفض أفلاطون الكتابة هو اعتقاده بأن اللغة المنطوقة “الكلام” تتفوق على اللغة المكتوبة “الكتابة” في قدرتها على نقل المعرفة والفهم الحقيقيين، وذلك لأن الكتابة من وجهة نظره تقتل المعرفة الحية وتجعلها مجرد معلومات جامدة، بينما الحوار الحي والنقاش المباشر هما الأفضل لتوليد المعرفة وإكتسابها.
وبالإضافة إلى أفلاطون كان هناك أيضاً عدداً لا يُستهان به من الفلاسفة المتبعين لهذه المنهجية ، وعلى سبيل المثال لا الحصر ، جان جاك روسو، فرديناند دي سوسير، وكذلك المؤرخ والتر أونج القائل؛
“نحن منغمسون جداً في الأيدولوجيا، لدرجة أننا نعتقد أن الكتابة تأتي بشكل طبيعي، علينا أن نذكر أنفسنا من وقت لآخر أن الكتابة مصطنعة بشكل كامل وقطعي”.
وهذا لا يتعارض مع إعتقاد أونج بأن الكتابة ضرورية لنقل المعرفة، كما أنه يؤكد على أن الكلام يجب أن يُنظر إليه على أنه أساسي لأنه مستمد من اللاوعي، بينما تتطلب الكتابة انتباهاً واعياً . و في ذلك يقول ؛ ” يتم تنظيم الكلام من خلال نسيج الشخص البشري بأكمله ، بينما تعتمد الكتابة على قواعد مفتعلة بوعي” .
ولقد جادل كل من جون سيرل ووالتر أونج انحياز أفلاطون لفكرة “التمركز الصوتي” ، حيث أعرب سيرل عن بعض شكوك أفلاطون للشفوية على الكتابة بالنسبة للكلام، فيما ناقش والتر بأن تفضيل أفلاطون للشفوية على الكتابة كان مصطنعاً، بدليل أنه دافع عن إيمانه بما كان يُعرَّف بمركزية الصوت “نصيًّا”، وهذا يُعد تناقضاً جليّاً من قبل أفلاطون.
وإذا رجعنا لتفكيكة دريدا لمركزية اللوغوس أو ما يُعرف بالتمركز الصوتي، نجد بأنه يتمحور هذا المفهوم حول الإعتقاد بأن الأصوات والكلام يتفوقان بطبيعتهما على اللغة المكتوبة أو أكثر أساسية منها. أو ما يمكن تعريفه بأن اللغة المنطوقة هي الطريقة الأصلية والأكثر أساسية للتواصل في حين أن الكتابة هي مجرد طريقة مشتقة لإلتقاط الكلام.
ولقد استخدم بعض من الفلاسفة واللغويين ولا سيما الفيلسوف الفرنسي الأشهر لمعارضته لهذا الفكر جاك دريدا مصطلح “التمركز الصوتي” لإنتقاد ما يرون بأنه إزدراء للغة المكتوبة، وكان دريدا يعتقد بأن التعارض ما بين الكلام والكتابة ماهو إلا شكل من أشكال مركزية اللوغوس.
وكما أن دريدا يرى بأن الكلام ليس أفضل من الكتابة ولكن تم تعيين هذا الدور من قبل المجتمعات التي تسعى لإيجاد شكل متعالي للتعبير ويقال بأن هذا الشكل من التعبير يسمح للفرد بالتعبير عن الحقائق المتسامية بشكل أفضل والسماح للفرد بفهم الميتافيزيقية الرئيسية.
ويرى بأن الكتابة هي أصل اللغة وليست مجرد انعكاس لها، وأنها تتضمن مفهوم أوسع يشمل كل أشكال التعبير والتمثيل حتى تلك التي تسبق الأبجدية، وبما أن الكلمة من وجهة نظره تخلق فجوة ما بين الفكر واللغة، وبين المتكلم والكلمات وهذه الفجوة هي التي تسمح بتعدد المعاني وتفسير النصوص.
وفي الجانب الآخر عبّر اللغوي ليونارد بلومفيلد أيضًا عن اعتقاده بأن اللغات المنطوقة هي الشكل الأساسي للغة، وأنه يجب اعتبار اللغات المكتوبة مشتقة منها. وقال إن «الكتابة ليست لغة، ولكنها مجرد طريقة لتسجيل اللغة».
ويتفق معه سوسير في كتابه Course in General Linguistics:
“اللغة والكتابة نظامان متميزان للإشارات، وأن كلا النظامين يؤثران على بعضهما البعض، لكن الكتابة يمكن أن تحجب اللغة، فهي قد تخفي كيفية تشكل النطق بسبب تأثيرها على النطق”
ولقد كان رابليه يتطلع إلى العصر الذي تنعدم فيه المخطوطات والمكتوبات، لأنه كان شغوفاً بتخيل إبداع وآداب لا تمت بصلة إلى الأعراف الأدبية الحرفية، وسيكون سوسير بنزعته التحررية الفطرية من دعاة التعليم الطبيعي، التلقائي البعيد عن الصنعة، النفاق، الاستدراج الشعري، ولم تكن الكتابة تحظى عنده بالإعتبار إلا في ضوء ما يتهيأ بها للإنسان من فرص تعبيرية؛ “إن الكتابة تقيم بيننا وبين اللغة حجاباً يمنعنا من رؤيتها كما هي، وذلك أن الكتابة ليست ثوباً عادياً تلبسه اللغة، بل هي قناع/خداع تتنكر فيه” دي سوسير
” ولقد تضاهت مبادئ اللوغوس في أعرافها مع واقع المعرفة العربية إذ كانت معرفة شعرية، فهي بذلك معرفة ترجح الصوت الملفوظ على الحرف المكتوب أو الخبرة الحية المنقولة أو المروية لأنها الوسيلة الأبرز التي أمكن للمجتمع الأمي أن يُدَّرِّج فيها معارفه، وحتى يعم استخدام التقنية الحرفية بالصورة العلمية والتعليمية التي عرفتها مدينة بني أمية، بأن المحدِّث لم يفقد دوره في صنع المعرفة وترويجها، على أن الكتابة قد اضطلعت بالأولوي أي بالمجال الديني، ولم يستوعب الحرف المادة الأدبية في إطار شمولي إلا عبر ثورة التدوين التي انطوت بها صفحة الصفاء اللغوي، وأقرت على ذلك النمو بتمدن المجتمع العربي، واتساع نطاق الحضارة مع ما يتضمن ذلك من تغيرات عززت قيمة المكتوب”. من كتاب المعرفة المركزية الإسلامية واللوغوسنتريزم الأغريقو-لاتيني لـ د. عشراتي سليمان.
..
لعل الفطرة ذات العقائدية السليمة دائماً ما تنظر للأمور بإتزان أكثر مثل ما ورد في الإقتباس السالف.
و بعيداً عن خطاب الثنائية والفوقية لأحد الفريقين كما ذكر دريدا في تفكيكة المركزية،وعند النظر والبحث بعدد من المقولات والدراسات اضطلعت بأي الفريقين أحقُّ بأن يتبع ؟! ..
ووجدت نفسي اذهب إلى السؤال الأزلي من الذي أتى أولاً؛ البيضة أم الدجاجة؟!
ولكن الصورة جليّة هنا ولا تحتاج لكل هذا المخزون المعرفي تحت ما يعرف بالديالكيت، بديهياً .. اللغة المنطوقة “الكلام” وجدت أولاً، ومنطقياً .. لولا أن هناك لغة مكتوبة “الكتابة” أو “التدوين” لما بقيت اللغة حيّة حتى يومنا هذا .. ولعل سبب هذا الجدل كان في أيهم أكثر بلاغة في إيصال المعنى ؟!..
وأنا أقول في هذا؛ لطالما كانت النبرة،الصياغة،الفصاحة،الرجاحة جليّة وأكثر وضوحاً في “الكلام” منها في الكتابة بمراحل، ولكن اللغة المنطوقة أثرها لحظي وإن كان لسنوات ، بعكس الكتابة فهي باقية وراسخة ما لم يؤثر عليها بزائل.
*منطوقٌ لم يُكتب:*
وبما أن هناك منطوقٌ لم يُقصد ومقصودٌ لم يُنطق في مُسلّمات جبران خليل جبران، أنا أقول هناك أيضاً منطوقٌ لم يُكتب ، ستجده مابين طيات الأفعال وفلتات اللسان وصفحات الوجيه.. إن امعنت النظر جيداً في بعض الأحداق، وأحسنت القراءة لما بين السطور .



