كتاب الرأي

بين “ريالات جدي” ،وخفة اليد.. كيف يصنع الإشباع عزة النفس؟

       ✍️عائشة السبيعي _ كاتبة سعودية :

في بيوتنا القديمة، وبإمكانيات كانت توصف بالبساطة ، كانت تُمارس أعمق النظريات التربوية دون مسميات رنانة. كان جدي ، براتبه الرمزي، يوزع ريالاته القليلة علينا يأحفاده؛ لا ترفاً ولا تبذيراً، بل كان يضع دعامةً أساسية في تأصيل عزة النفس لدينا . تلك الريالات لم تكن مجرد وسيلة لشراء قطعة كعكٍ أو نوعاً من المكسرات، بل كانت درعاً واقياً يحمي الطفل من التطلع لما في أيدي الناس.

لقد كان جدي يطبق قاعدة ذهبية: “أشبع طفلك لتمتلئ عينه، وعلمه الكرامة لتمتلئ نفسه”.

ولم يقتصر هذا الإشباع على المصروف اليومي الذي يضعه في أيدينالنتعود “لذة الامتلاك”، بل كان يمتد ليشمل “مكافأة الإنجاز” عبر “التسوق الحر”. فمن ينجح منا، كان جدي يصطحبه في رحلة يمنحه فيها كامل الحرية ليختار بنفسه “من وإلى” كل ما تهواه نفسه. هذا الأسلوب لم يكن مجرد شراء أغراض، بل كان تعويداً لنا على أننا نملك قرارنا واحتياجاتنا مجابة بكرامة، مما يولد في النفس استغناءً فطرياً عما في أيدي الآخرين.

إن “خفة اليد” التي نراها اليوم عند بعض الأطفال، ما هي إلا صرخة احتجاج من نفسٍ جائعة للتملك والقرار، حُرمت من أبسط حقوقها في أن يكون لها شيء خاص بها. بينما الطفل الذي تعود أن مصروفه في جيبه، وقراره في يده عند الإنجاز، يرى في ممتلكات الناس حدوداً لا يجوز تجاوزها، لأنه ببساطة.. “عينه مليانة” وكرامته مصانة.

ختاماً، إن ريال وقاية في يد الطفل، وجلسة تقدير لإنجازه، هي الحصن الذي يحميه من ذل التطلع أو خفة اليد. فرحم الله جدي الذي علمنا أن الغنى الحقيقي هو غنى النفس المكتفية بحلالها، المستغنية عن فضول ما في أيدي الآخرين .

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. طرحك جميل وعميق استاذه عائشه ويعيدنا إلى جوهر التربية الحقيقية التي لا تحتاج إلى مصطلحات معقدة بقدر ما تحتاج إلى وعي صادق وفطرة سليمة. ما ذكرته عن تجربة الجد ليس مجرد حنين للماضي، بل نموذج عملي لما تُثبته اليوم كثير من الدراسات التربوية الحديثة: أن الشعور بالاكتفاء والقدرة على الاختيار يصنع طفلاً متزناً نفسياً وسلوكياً.
    لكن في المقابل، قد يكون من المهم الإشارة إلى أن “الإشباع” لا يعني الإفراط، وأن “المصروف” لا يكون بديلاً عن تعليم الطفل قيمة المال. فبعض الأسر اليوم قد تمنح أبناءها المال بكثرة، ومع ذلك لا يتحقق ذلك الاكتفاء الذي تحدثت عنه، لأن المسألة ليست في “الكم” بل في “المنهج”. الفرق الجوهري في تجربة جدك أنه لم يكن يعطي فقط، بل كان يربط العطاء بالقيم: كرامة، استحقاق، وإنجاز.
    كما أن ربط المكافأة بالنجاح، ومنح الطفل حرية الاختيار، يزرع داخله حس المسؤولية، لا مجرد الاستهلاك. وهذا ما نفتقده أحياناً اليوم، حيث تُلبّى الرغبات بشكل فوري دون سياق تربوي، فيفقد الطفل لذة الانتظار، وقيمة السعي.
    أما ما وصفته بـ“خفة اليد”، فهو فعلاً في كثير من الحالات انعكاس لحرمان داخلي، سواء كان مادياً أو معنوياً. الطفل الذي لا يُمنح مساحة للتملك أو القرار، قد يبحث عنها بطرق خاطئة. لكن من المهم أيضاً ألا نغفل دور التوجيه والحدود الواضحة، لأن التربية توازن بين “الإشباع” و”الضبط”.
    ختاماً، يمكن القول إن تجربة جدك تلخص معادلة ذهبية: ليس المطلوب أن نعطي أبناءنا كل شيء، بل أن نعطيهم “ما يكفيهم بكرامة”، ونعلّمهم كيف يطلبون، وكيف يختارون، وكيف يكتفون.

    رحم الله جدك، فقد قدّم درساً تربوياً يسبق زمنه، ويستحق أن يُروى ويُحتذى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى