كتاب الرأي

*الأب… بطل الحكاية الصامت*

(إهداء لوالدي البطل..شفاه الله وعافاه)

       ✍️ طاهرة الشامسي _ كاتبة عمانية :

ليس كل الأبطال يُذكرون في كتب التاريخ، ولا كل البطولات تُروى على المنابر، فهناك بطلٌ يعيش بيننا، يمرّ كنسمةٍ هادئة، لا يُحدث ضجيجًا، لكنه يترك أثرًا لا يُمحى، إنه الأب.
الأب حكاية تبدأ قبل أن نُولد، حين يحمل في قلبه مسؤولية لم يرَ ملامحها بعد، لكنه أحبها دون شرط، وانتظرها بشوقٍ لا يُقال.

هو ذاك الذي يبتسم في وجه الحياة رغم ثقلها، ويخفي خلف ملامحه المتعبة ألف قلقٍ وألف حساب، فقط ليمنحنا شعورًا واحدًا، هو الأمان.
الأب لا يتقن البوح كثيرًا، لا يُجيد صياغة العبارات العاطفية، ولا يُكثر من الكلمات، لكنه يكتب حبّه بأفعالٍ صامتة، في استيقاظه المبكر، في تعبه الذي لا يُشتكى، في صبره الطويل، وفي نظرته التي تسبق سؤالنا فتفهمه.

هو الذي يمشي في الطرق الوعرة وحده، ليجعل لنا الطريق ممهدًا، يحمل عنا أوجاع الأيام، ويُخفيها خلف ظهره، وكأن التعب لا يعرفه. يواجه الحياة كجدارٍ صلب، لكنه في الداخل قلبٌ رقيق يخاف علينا من نسمة.
الأب هو ذاك الظل الذي لا ننتبه له إلا حين نحتاجه، فإذا غاب، أدركنا كم كان حاضرًا في كل تفاصيلنا. هو السند الذي لا يميل، حتى وإن أثقلته السنوات، يبقى واقفًا، فقط لئلا نسقط.

كم من مرةٍ ضحّى بحلمه ليُحقق لنا أحلامنا؟ كم من مرةٍ أخفى حزنه كي لا نحزن؟ وكم من مرةٍ اختار الصمت، لأن كلماته لو خرجت لكانت أثقل من أن تُحتمل؟
الأب لا يُطالب بشيء، لا ينتظر شكرًا، ولا يبحث عن مقابل، يكفيه أن يرانا بخير، أن يطمئن أن تعبه لم يذهب سدى، وأننا نسير في الحياة بخطى ثابتة.

هو ذاك البطل الذي لا يرتدي عباءة المجد، ولا يُصفق له أحد، لكنه في أعيننا أعظم من كل الأبطال. هو الحكاية التي لا تُكتب، لكنها تُعاش، في تفاصيل يومٍ عادي، في نظرة حانية، في دعاءٍ صادقٍ يرفعه لنا دون أن نعلم.
الأب… حين نتأمله جيدًا، نكتشف أنه لم يكن شخصًا عابرًا في حياتنا، بل كان الحياة نفسها، عمودها الذي تقوم عليه، ودفؤها الذي نحتمي به، ونورها الذي نهتدي به في العتمة.

فطوبى لمن كان له أبٌ حيّ، يُناديه فيجيبه، ويجلس بجانبه فيطمئن، ويقبّل يده فيشعر أنه امتلك الدنيا.
وطوبى لذاك الأب، الذي عاش بطلًا صامتًا، ورحل تاركًا في القلوب قصة لا تنتهي.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى