باب الذكريات

✍️ سمير منصور الفرشوطي :
بين زمنٍ مضى وواقعٍ يُكتب الآن… يقف الباب شاهداً لا يُنسى.
في زوايا الزمن، هناك أبواب ليست من خشب وحديد، بل من حنين ودهشة. “باب الذكريات” ليس مجرد مدخل أو مخرج، بل مرآة لحكايات سكنت وجداننا، وصدًى لأصوات عبرت، ثم سكنت في أعماقنا. هو شاهد على ضحكات الأمهات، وصخب الأطفال، وهمس الآباء في ليالي التعب. عنده وُدّع الغائب، واستُقبل العائد، وتقاطعت عنده نبضات القلوب قبل أن تمضي في دروبها.
كم من مرة مررنا من أمامه دون أن ننتبه أنه يحمل أسراراً تفوق الكتب، ووقائع تفوق الخيال. كيف لو تحدث هذا الباب؟ كيف لو نطق بما رأى وسمع؟ ربما لقصّ علينا عن أمّ سهرت تنتظر ابنها، عن أب خبّأ دمعته وراء ضوء مصباح قديم، عن فتاة علّقت على خشبه رسائلها للغد، وعن طفل حلم أن يصير فارساً وهو يجلس على عتبته الصغيرة.
باب الماضي كان مفتاحه المحبة، ومقبضه من دفء العلاقات. هناك حيث كانت الأحاديث تُروى بلا هواتف، والزيارات تُنتظر بلهفة، والضوء يتسلل بخجل بين فتحاته، كأنه يستأذن ليشهد على لحظة من الزمن.
أما باب الحاضر، فقد تبدلت هيئته. صار مزوّداً بالأقفال الذكية، لكنه فقد بعضًا من روحه. أصبحنا نمر من أمامه مستعجلين، لا نلتفت له، لا نحاوره، لا نسأله عما بقي في ذاكرته. لكنه ما زال هناك، يحفظ القصص، ويخفي في أخشابه دفء أيام لن تتكرر.
كل واحدٍ منّا له مع هذا الباب حكاية، فيها بطولات صغيرة لا يُدركها سواه، وانتصارات صامتة لا تصفها الكلمات. وربما لو جلسنا أمامه بهدوء، سمعنا صريره يحكي… ليس عن صدأ أو ريح، بل عن أمجاد، عن أيامٍ كان فيها البسيط عظيماً، وكان الوقت يمشي على مهل.
باب الذكريات لا يُغلق إلا ليُفتح من جديد، ومع كل فتح، يعود شيء من ماضينا، شيء منّا



