السوشيال ميديا سرقت عقولنا ونحن نصفق!

✍️هاني سليم- كاتب مصرى :
لم تعد السوشيال ميديا مجرد وسيلة للتواصل، بل تحولت إلى “عالم بديل” يعيش فيه الإنسان جزءًا كبيرًا من يومه، بل ومن وعيه أيضًا. وبينما يراها البعض أداة قوية للتثقيف والانفتاح، يراها آخرون خطرًا يهدد الهوية والتفكير المستقل. وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: هل صنعت السوشيال ميديا وعينا… أم سرقته بهدوء؟
من ناحية، لا يمكن إنكار أن هذه المنصات فتحت أبوابًا غير مسبوقة للمعرفة. بضغطة زر، أصبح بإمكان أي شخص الوصول إلى كم هائل من المعلومات، ومتابعة الأحداث لحظة بلحظة، والتفاعل مع قضايا لم يكن ليعرف عنها شيئًا في السابق. لم يعد العلم حكرًا على النخبة، ولم تعد المعلومة حبيسة الكتب أو القاعات الدراسية. السوشيال ميديا كسرت الحواجز، ومنحت الجميع فرصة التعبير وإيصال الصوت.
لكن الوجه الآخر أكثر تعقيدًا… وربما أكثر خطورة.
ففي الوقت الذي منحت فيه هذه المنصات حرية التعبير، ساهمت أيضًا في خلق “وعي زائف” مبني على التريند لا الحقيقة، وعلى الانطباع لا المعرفة. أصبح كثيرون يشكلون آراءهم من خلال منشور سريع أو فيديو لا يتجاوز دقيقة، دون تحقق أو تفكير. وهنا تبدأ المشكلة: عندما يتحول الإنسان من باحث عن الحقيقة إلى مستهلك سريع للمحتوى.
الأخطر من ذلك، أن خوارزميات السوشيال ميديا لا تهتم بالحقيقة بقدر اهتمامها بما يجذب الانتباه. فهي تدفع بالمحتوى الأكثر إثارة، الأكثر جدلًا، وربما الأكثر تضليلًا. وهكذا، يجد المستخدم نفسه محاطًا بأفكار تشبهه فقط، فيعيش داخل “فقاعة” تعزز قناعاته، دون أن يرى الصورة الكاملة. ومع الوقت، يتحول هذا إلى نوع من “البرمجة غير المباشرة” للعقل.
ولم يتوقف التأثير عند حدود التفكير، بل امتد إلى السلوك والمشاعر. المقارنة المستمرة بالآخرين، السعي وراء الإعجابات، والخوف من تفويت أي شيء (FOMO)، كلها عوامل صنعت حالة من القلق والضغط النفسي لدى الكثيرين. أصبح البعض يقيس قيمته بعدد المتابعين، ويبحث عن القبول في عالم افتراضي قد لا يعكس الواقع.
وهنا نصل إلى المفارقة الكبرى: السوشيال ميديا لم تسرق وعينا بالكامل، لكنها بالتأكيد أعادت تشكيله. هي أداة… لكنها أداة قوية، يمكن أن تبني عقلًا واعيًا، أو تخلق عقلًا منقادًا، حسب طريقة استخدامها.
الحل لا يكمن في الهروب منها، فهذا لم يعد ممكنًا، بل في الوعي بكيفية التعامل معها. أن نسأل قبل أن نصدق، أن نبحث قبل أن نحكم، وأن ندرك أن ليس كل ما يُعرض حقيقيًا، ولا كل ما ينتشر يستحق الاهتمام.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم:
السوشيال ميديا ليست العدو… لكنها أيضًا ليست صديقًا بريئًا.
هي مرآة تعكس ما بداخلنا، لكنها قادرة أيضًا على إعادة تشكيل هذا الداخل.
فالسؤال الحقيقي ليس: ماذا فعلت بنا السوشيال ميديا؟
بل: ماذا سمحنا نحن أن تفعل بنا؟
للتواصل : [email protected]



