كتاب الرأي

الاحتراق النفسي بعد المواسم حين تتركنا المناسبات بفراغ داخلي

✍️ د . عبدالرزاق آل سعد _كاتب في الصحة النفسية و الاجتماعية :

في خضمّ المواسم الاجتماعية كالأعياد والمناسبات العائلية نعيش حالة من الامتلاء العاطفي؛ لقاءات، ضحكات، تواصل، وانشغال مستمر. لكن ما إن تنتهي هذه المواسم، حتى يجد البعض نفسه أمام شعور غريب من الفراغ، وكأن شيئًا ما قد انسحب فجأة من الداخل، تاركًا وراءه هدوءًا مثقلًا بالتساؤلات. هذه الحالة تُعرف نفسيًا بـ“الاحتراق بعد المواسم”.

الاحتراق النفسي هنا لا يأتي من الحزن، بل من “الزيادة” زيادة التفاعل، وزيادة المشاعر، وزيادة الانخراط الاجتماعي. فالعقل البشري، رغم قدرته على التكيّف، يحتاج إلى توازن بين الأخذ والعطاء، بين التفاعل والانسحاب. وعندما يختل هذا التوازن، يظهر التعب النفسي بشكل غير مباشر: فتور، فقدان الحماس، ميل للعزلة، وأحيانًا شعور بلا معنى.

تفرض علينا المواسم نمطًا معينًا من الحضور نبتسم، نُجامل، نُكثف علاقاتنا، ونحاول أن نكون في أفضل صورة. ومع تكرار هذا الجهد حتى لو كان جميلًا يتراكم إرهاق داخلي لا نلاحظه إلا بعد أن تهدأ الضوضاء هنا، لا يكون الفراغ ضعفًا، بل استجابة طبيعية لعقلٍ استُهلك في فترة قصيرة.

من منظور نفسي، هذا الفراغ يحمل رسالة مهمة: “توقّف قليلًا… وأعد الاتصال بنفسك”. فبعد أن كنّا منشغلين بالآخرين، يحين وقت العودة إلى الداخل إلى احتياجاتنا المؤجلة، وأفكارنا التي لم نمنحها مساحة، ومشاعرنا التي غطّتها المجاملات.

التعامل مع هذا الاحتراق لا يحتاج إلى حلول معقّدة، بل إلى وعي بسيط و الأهم أن ندرك أن ما نشعر به ليس “فراغًا حقيقيًا”، بل “مساحة جديدة” يمكن أن نملأها بما يناسبنا نحن، لا بما تفرضه المناسبات.

في النهاية، ليست المشكلة في المواسم، بل في غياب الاستعداد لما بعدها. فكما نستعد للفرح، نحتاج أن نستعد للهدوء الذي يليه ، لأن النفس لا تُرهقها الأحزان فقط، بل أحيانًا تُتعبها كثرة الفرح دون استراحة .

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى