آباؤنا كما لم نرهم من قبل

✍️ريم منصور سلطان _ كاتبة سعودية :
في زمن السرعة والوعي المتزايد بالصحة النفسية، يميل كثير من أبناء الجيل الحالي إلى النظر إلى الأجيال السابقة بنوع من النقد الحاد، بل وأحيانًا بالسخرية، تُقال عبارات مثل: لماذا كانوا قساة؟ لماذا لم يفهموا مشاعرنا؟ لماذا لم يتعاملوا مع مشكلاتهم النفسية؟ وكأن الماضي كان يملك الأدوات نفسها التي نملكها اليوم، وكأن الإنسان في الأزمنة السابقة كان يعيش في ظروف تسمح له بالتأمل الطويل في ذاته كما نفعل نحن الآن.
لكن الحقيقة أننا نحنُ لسنا سوى مزيجٍ من طين أنفسنا ورياح أزماننا، تسكننا رغباتنا الخاصة، لكن تحركنا أمواجُ العصر التي لا ترحم ،فالأجيال التي سبقتنا عاشت في عالم مختلف تمامًا عن عالمنا، عالم لم تكن فيه لغة الصحة النفسية شائعة، ولا كان هناك وعي بالمفاهيم النفسية مثل الصدمات النفسية، أو الوعي العاطفي ولا كانت هذي الثقافة جزءًا من الحياة. كان الإنسان يعيش في زمن يفرض عليه أن ينجو أولًا قبل أن يفهم نفسه. العمل الشاق، مسؤوليات العائلة الكبيرة، ضغوط الحياة الاقتصادية، والواجبات الاجتماعية الثقيلة كلها كانت تجعل الحياة أقرب إلى سباق طويل من أجل الاستمرار.
لم يعرفوا ترف الالتفات إلى الداخل، فقد كانوا منشغلين بالنجاة أكثر من الفهم، والكثير من الأباء والأمهات الذين يُنتقدون اليوم لأنهم لم يكونوا “متفهمين” بما يكفي، كانوا في الحقيقة يحاولون فقط أن يحافظوا على تماسك حياتهم، لم يكن القسوة عند بعضهم خيارًا واعيًا بقدر ما كانت أسلوبًا تعلموه من الحياة نفسها، فقد تربوا في بيئات تؤمن بأن الصلابة ضرورة للبقاء، وأن المشاعر الكثيرة قد تضعف الإنسان أمام صعوبات الواقع.
إننا حين ننظر إلى تصرفاتهم اليوم بمعاييرنا الحديثة، قد يبدو لنا أنهم أخطأوا كثيرًا. وربما فعلوا ذلك فعلًا. لكن السؤال الأعمق ليس: هل أخطأوا؟ بل: ما الذي كان متاحًا لهم أصلًا؟ فالأجيال السابقة لم ترث عالمًا مريحًا. كثير منهم نشأوا في فترات شهدت تحولات اجتماعية واقتصادية كبيرة، وربما عاش بعضهم فقرًا أو اضطرابات أو مسؤوليات مبكرة جعلت الطفولة نفسها تمر سريعًا دون أن تترك مساحة كبيرة للرفاه العاطفي.
وهنا تظهر أهمية التعاطف، التعاطف لا يعني تبرير كل الأخطاء، ولا يعني إنكار الألم الذي قد يكون بعض الأبناء قد عاشوه، لكنه يعني أن نحاول رؤية الصورة كاملة، لا أن نحاكم الماضي من زاوية واحدة ، فكل جيل يحمل جراحه الخاصة ويورث جزءًا منها بقصد أو دون قصد إلى الجيل الذي يليه.
الجيل الحالي يمتلك وعيًا أكبر بكثير بالصحة النفسية وبأهمية المشاعر والتعبير عنها، وهذه نعمة حقيقية، لكن هذا الوعي قد يتحول أحيانًا إلى نوع من التفوق الأخلاقي غير المقصود، حين يُستخدم للحكم على الأجيال السابقة بدل فهمها ، فبدل أن نسأل: لماذا كانوا هكذا؟ قد يكون السؤال الأجدر هو: ماذا كانوا يواجهون؟
ربما لم يكن لدى آبائنا الوقت ليتحدثوا عن قلقهم أو حزنهم، لأن عليهم أن يعملوا لساعات طويلة. وربما لم يكن لديهم قاموس يصف مشاعرهم، لأن ثقافتهم لم تعلمهم ذلك وربما حملوا جراحًا لم يعرفوا أصلها، لأن أحدًا قبلهم لم يتحدث عنها أيضًا.
بهذا المعنى، فإن كثيرًا من الأجيال السابقة لم تكن قاسية بقدر ما كانت متعبة، لقد حملوا الحياة على أكتافهم بطريقة صامتة دون أن يمتلكوا الأدوات التي نملكها اليوم لفهم ما يجري داخلهم ومع ذلك، استطاعوا بقدر ما تسمح به ظروفهم أن يبنوا أسرًا ويستمروا في الحياة.
وهذا لا يلغي أخطاءهم، لكنه يضعها في سياقها الإنساني إن التعاطف مع الأجيال السابقة لا يعني العودة إلى أنماط تربوية قديمة، ولا يعني رفض الوعي الجديد الذي نملكه اليوم ، بل يعني أن نفهم أن التقدم الحقيقي لا يقوم على السخرية من الماضي، بل على فهم فكل جيل يقف فوق أكتاف الجيل الذي سبقه حتى لو لم يعترف بذلك دائمًا.
ولو تأملنا الأمر بصدق سنكتشف أن كثيرًا من القيم التي نعيش بها اليوم مثل الاستقرار، والتعليم، وفرص الحياة لم تأتِ من فراغ، بل هي نتيجة تعب طويل بذله أشخاص ربما لم يكونوا مثاليين، لكنهم فعلوا ما استطاعوا في حدود زمانهم، إن أسهل موقف يمكن أن يتخذه الإنسان هو الحكم لكن الموقف الأكثر نضجًا هو الفهم.
حين ننظر إلى الأجيال السابقة بعين التعاطف لا نرى فقط أخطاءهم، بل نرى أيضًا صمودهم نرى الإنسان الذي حاول أن يعيش في عالم أقل وعيًا وأكثر قسوة، ومع ذلك استمر، ربما لم يعرفوا كيف يتحدثون عن جراحهم، لكن كثيرًا منهم عرفوا كيف يواصلون الحياة رغمها وهذا في حد ذاته شكل من أشكال الشجاعة التي تستحق أن تُفهم لا أن تُسخر منها.
ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله اليوم ونحن نحتفي بالأم في يومها أن نُوسع هذا الامتنان ليشمل الحكاية كاملة أن نتذكر أن وراء كل أمٍ بحنان ظاهر، هناك أبٌ يحمل تعبه بصمت، يترجم حبه مسؤولية، ويخفي قلقه خلف صرامةٍ قد لا نفهمها إلا متأخرين.
في عيد الأم، لا نُعيد الاعتبار للأم فقط، إنما نُعيد قراءة العائلة كلها بعين أكثر رحمة، نرى الأم كما تستحق أن تُرى ونرى الأب كما لم نره من قبل، فالحب لا يكون دائمًا بصوت عال أحيانًا يكون صامتًا لكنه صادق بما يكفي ليبقى.
للتواصل : [email protected]



