كتاب الرأي

الفتور الرمضاني: الحكاية التي لا نتحدث عنها

     ✍️ ريم سلطان _ كاتبة سعودية :

رمضان ليس مجرد شهر مختلف إنما هو وقت يتغير فيه إيقاع الحياة وتُفتح فيه أبواب خفية في النفس الإنسانية فأبواب التوبة تفتح وعبادات خفيه تعيد ترتيب العلاقة مع الله، ومع ذلك، يلاحظ كثير من الناس مفارقة لافتة أن الحماسة التي تستقبل الشهر في أيامه الأولى، قد خفت عند البعض سريعًا وكأن وهج البداية لم يكن قادرًا على الصمود طويلًا.
فما هو السر في هذا الارتداد؟
ربما لأن الإنسان بطبيعته يميل إلى البدايات فهي تمنحنا شعورًا جديد ، لكن ما إن تمضي الأيام حتى يتحول الأمر إلى ممارسة يومية تفقد بريقها ، وهنا يبدأ الجهد الحقيقي وتظهر المسافة بين الحماسة العاطفية والإرادة العميقة.
كثير من الناس يدخلون رمضان بروح متحمسة فيتعاملون مع الشهر كحالة شعورية، لا كمشروع تغيير، والحالة الشعورية بطبيعتها مؤقتة فهي مثل موجة ترتفع سريعًا ثم تهدأ، و التغيير الحقيقي يحتاج إلى شيء أكثر ثباتًا يحتاج إلى وعي وإلى صبر طويل على النفس.
هناك سبب آخر خفي الا وهو أن بعض الناس يحملون أنفسهم في بداية رمضان أكثر مما تحتمل فيضعون قائمة طويلة من العبادات وتغييرات جذرية في السلوك ومع أن هذه النوايا جميلة، إلا أن النفس البشرية لا تتغير دفعة واحدة وعندما تعجز النفس عن مجاراة هذا السقف العالي يبدأ الإحباط في التسلل بصمت.
وهكذا يتحول الشعور من حماسة البداية إلى ثقل والى إرهاق جسدي لا يتلائم مع الحياة المعاصر، فالحياة اليوم سريعة ومزدحمة بالمهام، والعمل يمتد الطويلة، والضجيج الرقمي الذي لا يتوقف هنا تتعب النفس دون شعور وتفقد همتها و شيئًا من بريقها.
وهناك ربما السبب الأعمق ليس التعب ولا المبالغة في التوقعات، بل فقدان المعنى الداخلي للعبادة.
حين تتحول العبادات إلى مجرد أفعال متكررة ويفقد القلب علاقته الحقيقية وأصل الصوم فتصبح عادة إجتماعية أكثر منه تجربة روحية، نصوم لأن الجميع يصوم ومع مرور الأيام يشعر الإنسان أن الروح لم تمتلئ كما كان يتوقع فيظن أن المشكلة في الشهر أو في نفسه، بينما المشكلة في انقطاع المعنى.

في الأيام الأولى، ينشغل الناس بالأجواء العامة للشهر: اللقاءات، الماكولات و الزينة ، لكن مع مرور الوقت، يبدأ الصمت الداخلي بالظهور، في هذا الصمت يكتشف الإنسان أسئلة قديمة يجب عليه أن يحلها الا وهي : ماذا فعلت بحياتي؟ لماذا أشعر بهذا الفراغ؟ لماذا لا أستطيع أن أكون كما أتمنى؟
هذه المواجهة قد تكون ثقيلة على البعض، فيحاولون الهروب منها عبر الانشغال أو الفتور والتوقف ففقدان الهمة أحيانًا ليس كسلًا إنما تعبًا من مواجهة الذات ومع ذلك، لا ينبغي أن يُفهم هذا الفتور كفشل فالروح الإنسانية ليست آلة إنماهي نفس لها مدها وجزرها، وقد كان الصالحون يتحدثون عن فترات ضعف وفتور لكنهم كانوا يرونها جزءًا من الرحلة لا نهاية لها.
رمضان في حقيقته ليس اختبارًا للكمال، إنما هي فرصة للتقرب خطوة بعد خطوة وليس المطلوب أن يكون الإنسان في أعلى درجات الحماسة طوال الشهر، بل أن يظل متصلًا بالخيط الرفيع الذي يربطه بالله، حتى لو كان هذا الاتصال بسيطًا وهادئًا.
ربما أفضل طريقة للحفاظ على الهمة ليست أن نطلب من أنفسنا الكثير، بل أن نطلب منها الصدق، أن نصلي بوعي و أن نقرأ القرآن لنفهم ، وأن نصوم ليس لأن الوقت يفرض ذلك، بل لأننا نريد أن نتعلم كيف نخفف ضجيج شهوات أجسادنا وعندما يستعيد الإنسان معنى ما يفعل، يعود الشغف بطريقة هادئة بلا صاخب ، وعندها يصبح رمضان لا سباقًا مع الأيام، ولكن رحلة يتعلم فيها الإنسان أن الطريق إلى الله لا يقاس بسرعة الخطوات إنما بصدق الاتجاه الى الله تعالى .

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى