كتاب الرأي

الهلال شعيرة لا تحسمها التوقعات

             ✍️ هشام نتو _ كاتب سعودي :

عاش المسلمون عبر قرون طويلة لحظة ترقب خاصة مع نهاية كل شهر قمري حين ترتفع الأبصار نحو الأفق انتظارًا لظهور الهلال تلك اللحظة لم تكن مجرد إعلان لبداية شهر أو نهايته بل كانت شعيرة حية تتكرر كل عام وتجمع الناس على مشهد واحد من الترقب واليقين

كان الناس يخرجون إلى المرتفعات والأسطح يتأملون السماء بحثًا عن الهلال فإذا ثبتت رؤيته عم الفرح وتناقلت البيوت الخبر وكانت المفاجأة هي أجمل ما في تلك اللحظة فالخبر يأتي فجأة فيعيش المجتمع كله حالة من الفرح الصادق

وفي الذاكرة القريبة ما زال صوت مدافع رمضان أو الإعلان الرسمي عبر التلفزيون يحمل تلك اللحظة الفارقة حين يعلن ثبوت هلال شوال كان الأطفال يصرخون فرحًا بقدوم العيد بينما تدمع عيون الكبار لأنهم أتموا صيام رمضان وعاشوا أيامه ولياليه ثم تبدأ البيوت في الاستعداد فتتزين الشوارع وتجهز الملابس الجديدة ويتهيأ الناس لصلاة العيد
كانت تلك الأيام تعاش بكل تفاصيلها وسكناتها وشعائرها وطقوسها أيام جميلة لا تنسى لأن الناس كانوا ينتظرون الهلال بأعينهم لا بتوقعات مسبقة

غير أن السنوات الأخيرة شهدت تغيرًا واضحًا حين بدأت التوقعات الفلكية تتصدر المشهد قبل نهاية الشهر بأيام فأصبح كثير من الناس ينتظر ما يقوله الفلكيون عن بداية رمضان أو موعد العيد حتى كادت لحظة الترقب نفسها تختفي

ولا شك أن علم الفلك علم عظيم وله إسهامات مهمة في حياة الإنسان فقد ساعدت الحسابات الفلكية في معرفة المواسم الزراعية ورصد التغيرات المناخية وتطوير الملاحة البحرية والجوية وفهم حركة الأجرام السماوية وهي جهود علمية تستحق التقدير

لكن المشكلة لم تكن يومًا في علم الفلك ذاته بل في تحوله لدى بعض الناس من علم مساعد إلى مرجعية بديلة للرؤية الشرعية للهلال فالتكهنات المسبقة جعلت كثيرًا من الناس يتعلقون بما يقال قبل أن يرفعوا أبصارهم إلى السماء بل أصبحت تلك التوقعات أحيانًا سببًا في التشكيك في الترائي الشرعي للهلال

وهنا تضيع قيمة الشعيرة التي أرادها الإسلام أن تكون مرتبطة بالرؤية الحسية المباشرة لا بالتوقعات المسبقة فالرؤية ليست مجرد وسيلة لمعرفة بداية الشهر بل هي شعيرة يتجدد معها شعور الجماعة ووحدة اللحظة بين الناس
ولذلك فإن إعادة الاعتبار للرؤية البصرية للهلال لا تعني التقليل من علم الفلك ولا من جهود الفلكيين بل تعني وضع كل علم في مكانه الصحيح فالحسابات الفلكية تبقى علمًا نافعًا أما رؤية الهلال فتبقى شعيرة لا تحسمها التوقعات ولا ينبغي أن تسلبها الحسابات فرحتها أو أن تحجبها الأرقام عن أعين الناس .

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مقال جميل يلامس ذاكرة المجتمع ويعيد التذكير بجمال ترقب الهلال بوصفه شعيرة تجمع الناس على لحظة إيمانية واحدة. أحسن الكاتب هشام نتو في إبراز التوازن بين تقدير علم الفلك والحفاظ على مكانة الرؤية الشرعية للهلال باعتبارها شعيرة لها روحها ومعناها الاجتماعي والديني، طرح ثري يعيد إحياء قيمة الترقب والفرح الجماعي المرتبط بمواقيت العبادة.
    كل الشكر والتقدير للكاتب على هذا الطرح الهادف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى