كوكو كوكو نداء الطفولة الذي لا يُنسى

✍️ سمير منصور الفرشوطي :
صاح الديك كوكو كوكو جاءَ الصبحُ، هيا فاستيقظوا
كان ذاك الصوت أول لحنٍ أسمعه مع بزوغ الشمس، يوقظني من دفء فراشي إلى يومٍ مدرسي جديد، لا يشبه سابقه ولا يلحقه مثيل.
أنا طالب صغير… أذكر كل تفصيل كما لو كان الأمس. صوت المعلم وهو يتهجّى الحروف:
أ – أسد، ب – بطة، ت – تفاحة
وأنا أرمق شفتيه بانبهار، كأن الكلمات تنبع من كنزٍ سحري.
ثم تُصدح الأنشودة على لساننا:
“وأنا سنة أولى ما أجمل المدرسة
تتراقص الحروف وتلعب الفرحة في عيوننا الصغيرة، وقلوبنا تنبض بعفوية لا تعرف التكلّف.
في الفسحة، نركض بلا وجهة، نضحك بلا سبب، نلعب “الطيري” ونركض خلف الكرة كأنها حلم.
وهناك، على سور المدرسة، يقف صاحب الدراجة
لا نعرف اسمه، لكننا نعرف ما يبيع:
“ساندوتش جبنة، مربى، وتونة
كلّ واحد فينا يحمل رياله وينتظر دوره في طابور الجوع.
مرت الأيام، كبرت الحروف، وتغيّرت الفصول دخلنا المتوسطة.
صرنا نعرف “التمرد”، نخطط للهروب من حصة لا نحبها، ونتسلل خفية إلى مزارع قريبة.
نرمي كتبنا ونركض نحو البركة
لا كلور، لا مراقب، فقط صوت الماكينة يدندن: “تم تم تم
والماء يصب بلا توقف، ونحن نسبح فرحاً وخوفاً.
ثم نعود في الغد إلى طابور المدرسة، نسمع أسماءنا تُنادى ببطء
نمد أرجلنا، وننتظر العقاب، ونضحك رغم الألم، فالخرزانة لا تكسر القلب.
وفي الفصل، مادة “النصوص” كانت مملكتي. نحفظ القصائد كما نحفظ أرواحنا:
“أقولُ لها وقد طارت شعاعاً
كلمات تبني فينا رجولة، وصبراً، وشموخاً.
وما أجمل “أسبوع الشجرة”
نزرع وردة في التراب ونشعر أننا نبني وطنًا،
وفي “أسبوع المرور” نهتف: “هدي، هدي بالأسواق!”
الآن، وقد كبرت
أنظر إلى وجهي في المرآة، وأبتسم.
لم أعد ذاك الطفل
لكني أحمل في قلبي طفلًا لا يكبر،
ذكرياته لا تشيخ،
وضحكاته لا تموت.
آهٍ على الماضي، وعلى صاح الديك كوكو كوكو.



