عقيدة “تصفير التهديد”: انكسار الردع غير المتماثل أمام اليقظة السيادية
✍️حسن المقصودي- كاتب سعودي:
في خضم الاشتباك العسكري المحموم بين طهران والتحالف “الأمريكي – الإسرائيلي”، لم تعد الميادين تُدار بمنطق التفوق العددي التقليدي، بل بقدرة الأطراف على فرض “عقيدة الردع غير المتماثل” وتحويلها إلى واقع سياسي. وبينما تراهن إيران على تكتيكات “الإنهاك النوعي” ورفع “عتبة الألم” لدى خصومها عبر استراتيجية “البقاء والمراوغة”، برز في المقابل “وعي دفاعي” متقدم نجح في تفكيك شيفرة هذه القوة الهجينة وتحويل أوراقها الرابحة إلى عبء استراتيجي.
تستند المقامرة الإيرانية في جوهرها إلى فلسفة “اللا تماثل”؛ حيث يتم توظيف “مدن الصواريخ” المحصنة وأسراب المسيرات الانتحارية كأدوات لتعويض الفجوة التقنية. الهدف هنا ليس الحسم العسكري الكلاسيكي، بل خلق حالة من “اللا يقين” وتهديد مفاصل الاقتصاد العالمي، لإقناع المهاجم بأن كلفة العدوان ستتجاوز بكثير أي مكسب استراتيجي قد يحققه. إنها حرب “الأعصاب الفولاذية” التي تحاول فيها طهران استغلال المناطق الرمادية لفرض قواعد اشتباك جديدة.
إلا أن هذه المناورة اصطدمت بـ “يقظة سيادية” أعادت تعريف مفهوم الحماية الوطنية. هذا الوعي لم يكتفِ بدور المراقب، بل صاغ رداً ارتكز على “الردع التكنولوجي المتكامل”؛ فمن خلال تفعيل منظومات الاعتراض الفائق (مثل THAAD وPAC-3)، تحولت التهديدات غير المتماثلة من أدوات “رعب” إلى أهداف يتم إجهاضها في مهدها. ترافق ذلك مع “صلابة سياسية” رفضت بشكل قاطع تحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات، مما سحب البساط من تبريرات “وحدة الساحات” وعزل الجغرافيا الوطنية عن تداعيات الصراع المباشر.
إن هذا التلاحم بين الدفاع التقني والرزانة السياسية ليس غاية في حد ذاته، بل هو الضمانة الحقيقية لحماية “المشاريع التنموية الكبرى”؛ ففي عالم لا يعترف إلا بالقوي، يصبح الاستقرار الأمني هو الوقود الوحيد لمحركات الاقتصاد والنمو. إن نجاح القوى الإقليمية في تحييد مخاطر “الحروب الرمادية” يفتح الباب أمام تحول المنطقة إلى قطب اقتصادي عالمي، حيث لا مكان للمغامرات العسكرية التي تقتات على الفوضى. في نهاية المطاف، السيادة الحقيقية هي التي تحول “الردع الشامل” إلى جسر للعبور نحو الازدهار المستدام، بعيداً عن صراعات لا تخدم إلا قوى التأزيم.
والسلام ؛؛؛
للتواصل : [email protected]



