الشرق الأوسط : مابين اثبات الوجود وكبح النفوذ !

✍️ عبدالرحمن العيسى – كاتب سعودي :
تعود جذور مفهوم –الشرق الأوسط– في الأصل إلى مسماه الأولي –الشرق الأدنى–، حيث ظهر مصطلح الشرق الأدنى منذ القرن الخامس عشر خلال فترة الكشوف الجغرافية إلى القرن التاسع عشر. وقد تنعدم التفرقة عند البعض إذا تم ذكر مصطلحي الشرق الأوسط والشرق الأقصى في سياق واحد. إن المعنى العام لمفهوم الشرق الأوسط يقصد به الدول الواقعة من شرق البحر الأبيض المتوسط إلى الخليج العربي وإيران ومصر. أما بالنسبة لمفهوم الشرق الأقصى، فيقصد به الصين والهند وغيرها من البلدان الواقعة في منطقة شرق آسيا.
إن كل من يقرأ المشهد السياسي ويهتم بالأوضاع والحالات الجيوسياسية بالعالم قاطبة، يدرك ويستلهم بأن منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص تعيش في حالة من التوتر وعدم الاستقرار، خصوصًا مع تبني إحدى الدول لأيديولوجيا هدفها النفوذ التوسعي ودعم الجماعات الخارجة عن النظام وزعزعة الاستقرار الأمني والسياسي لبعض الدول المحيطة والمجاورة لها وأمن المنطقة بشكل عام.
إن الممارسات التي تمارسها دولة الإمارات العربية المتحدة والنهج العدائي الذي تتخذه وتحذو حذوه تجاه الدول المجاورة لها لم يمر أمام دول المنطقة مرور الكرام. ولضرب مثال على هذه الممارسات: منذ تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي اليمني المتمركز في جنوب اليمن في عام 2017 من قبل قيادات جنوب اليمن وعلى رأسهم رئيس المجلس المدعو عيدروس الزبيدي، بات دور الإمارات في دعمه وتقويته وتدريب عناصره واضحًا أمام الملأ، وفي نفس الوقت انخفض تواجد الإمارات العسكري في تحالف دعم الشرعية مع حفاظها على وجودها بالغطاء السياسي في التحالف، مما يخلق تناقضًا وازدواجية جنّتها الإمارات على نفسها.
واستمرت الإمارات في دعم قوات المجلس الانتقالي منذ عام 2017 إلى مطلع عام 2026، حيث أصاب المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه بسهام التمرد وقرر في عشية يوم وضحاها أن يفصل جنوب اليمن عن شمالها وأن يقيم دولة جنوب اليمن بمحافظاتها التي من ضمنها حضرموت والمهرة والمكلا وعدن وشبوة، في عملية سياسية وعسكرية حازت على الفشل المؤبد. ولكن قوات تحالف دعم الشرعية باليمن بقيادة المملكة العربية السعودية كانت أمام تمرد وتصرفات هذا المجلس الذي تدعمه الإمارات بالمرصاد. شنت المملكة العربية السعودية ضربات تحذيرية بالقرب من معسكر المجلس الانتقالي المنتقل بشكل غير نظامي وقانوني من عدن إلى حضرموت، كرسالة تحذيرية من المملكة تجاه هذه التصرفات ورفضها التام لأي إجراءات تهدد أمنها الوطني.
ولكن من الواضح أن قوات المجلس الانتقالي لم يدركوا حجم الخطر الذي يمارسونه، واستمرت الإمارات بعد هذه الضربة في دعم قوات المجلس إلى أن رصدت المملكة العربية السعودية بتاريخ 30/12/2025 قدوم سفينتين من ميناء الفجيرة بالإمارات تحمل أسلحة وذخائر. وفور وصول السفينتين إلى ميناء المكلا باليمن، قام الطيران الحربي التابع لتحالف دعم الشرعية بتوجيه ضربة استهدفت السفينتين وحطمت الأسلحة والذخائر التي أرسلتها الإمارات لتأجيج الصراع وبث الفوضى في محافظات جنوب اليمن.
عقب ذلك، لعبت قوات درع الوطن التابعة للقوات المسلحة اليمنية دورًا بريًا جامحًا في تحرير محافظات حضرموت والمهرة وعدن من عبث المجلس الانتقالي، وانتهى المطاف بهذا المجلس بهروب وفرار قائده عيدروس الزبيدي إلى إقليم أرض الصومال، ثم إلى أبو ظبي، بعد اتفاق قيادات المجلس مع المملكة العربية السعودية ذهابهم إلى الرياض للوصول إلى حل سياسي شامل يكفل حق محافظات الجنوب اليمني وأهل الجنوب اليمني. ثم تم حل المجلس الانتقالي الجنوبي اليمني من مفاصل الدولة اليمنية بشكل نهائي عقب تبيان نيتهم التخريبية.
وفي الجانب الآخر، تمر إيران بفترة مظاهرات من قبل الشعب احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية السيئة، وكانت ردة فعل النظام الإيراني على هذه الاحتجاجات بتصفية المتظاهرين، مما أشعل الغضب الأمريكي وهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل العسكري الأمريكي نظير تعمد قتل القوات الإيرانية للمتظاهرين، وسبب اهتمام أمريكا للملف الإيراني جراء عداء إيران الأزلي مع إسرائيل حليفة أمريكا ورغبة أمريكا بوقوع أكبر قدر ممكن من الخسائر للنظام الإيراني، بالإضافة إلى إنهاء الجدال بخصوص الملف النووي الإيراني بشكل نهائي فور سقوط النظام الإيراني. وتشير مصادر صحيفة وول ستريت جورنال إلى أن المملكة العربية السعودية وعددًا من الدول الخليجية أقنعوا الولايات المتحدة الأمريكية بعدم توجيه ضربة لإيران لأسباب اقتصادية حيوية، بالإضافة إلى أن الاستقرار الإقليمي يمثل أهمية كبرى لدى المملكة العربية السعودية وولي العهد السعودي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان.برأيي، وجود الصراع في منطقة الشرق الأوسط منذ القرن الماضي بسبب وجود كيانات ودول تحمل عداء فكريًا عقائديًا ضد بعضها البعض، خصوصًا بعد أحداث عام 1979 التي أحدثت تغييرًا كبيرًا في مفهوم الشرق الأوسط. وإن حل هذه الصراعات يتطلب وجود دولة تحمل هدفًا سياسيًا واقتصاديًا وتنمويًا، بالإضافة إلى امتلاكها لصفات ومقومات القوة، وهذه الصفات متوفرة بالمملكة العربية السعودية بقيادة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي سينقل بفكره الاستراتيجي هذه المنطقة من حالة الفوضوية إلى حالة الاستقرار التام .
للتواصل : [email protected]



