كتاب الرأي

إذا تعددت الإبتلاءات

✍️أ . سلطان الراشد _ كاتب سعودي :

هذه الدنيا دار ابتلاء وامتحان، يبتلى فيها المؤمن بالسراء والضراء، والشدة والرخاء، والصحة والمرض، والغنى والفقر، والشهوات والشبهات، قال تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [الأنبياء: 35].

أي نختبركم بالمصائب تارة، وبالنعم تارة أخرى، فننظر من يشكر ومن يكفر، ومن يصبر ومن يقنط، قال ابن عباس: “﴿ وَنَبْلُوكُمْ ﴾: أي نبتليكم بالشر والخير، أي بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال” .

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ أي: فنجازيكم على مواقفكم من هذه الأحوال، فمن وقف موقف المؤمن واتقى الله في كل حالة نال المثوبة، ومن أساء نال العقوبة.

قال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 155 – 157].
وروى الترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – قال:
قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلى على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة”.
وسأل رجل الشافعي – رحمه الله – فقال: يا أبا عبد الله، أيهما أفضل للرجل: أن يمكن فيشكر الله  – عز وجل -؟ أو يبتلى فيصبر؟ فقال الشافعي: لا يُمكَّن حتى  يبتلى، فإن الله ابتلى نوحًا وإبراهيم ومحمدًا صلوات الله عليهم أجمعين، فلما صبروا مكنهم الله فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة. اهـ
وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: “من يرد الله به خيرًا يصب منه”.
قال أبو عبيدة الهروي:
أي يبتليه بالمصائب ليثيبه عليها، وقد تبتلى أمة الإسلام بتكالب الكفار واعتدائهم عليها، إما عقوبة لها على تقصيرها في طاعة ربها، أو ابتلاء واختبارًا لها، قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ [محمد: 4]
وإذا تعددت المصائب والإبتلاءات على العبد زاد معها الأجر والثواب .
وهكذا إذا تعددت الهموم والغموم والجروح والآلام والويلات …
أولاً أعان الله أهلها وأفرغ عليهم صبراً وجازاهم بالحسنات والدرجات والرفعة في الدنيا والآخرة .
فواجب الأب بالذات إذا رأى هذه الجروح والآلام في بيته أن يتمالك نفسه ويتشجع ويتصبر أمام أولاده بل ويتجلد ، لأنهم يتصبرون بصبره فهو قدوتهم وهم ينظرون له وكذلك الأم .
هذه مقادير الله وهذا حكمه والدنيا دار بلاء وإختبار وغداً بين يدي الله السعادة الأبدية والجنة التي نسأل الله أن تكون لنا ولكم عقبى الدار ..
ثم تنظر خارج أسرتك وأولادك فترى ابن أخيك يبتلى فتواسيه سلبت وظيفته مرض تعرض لحادث فتواسيه بقولك وفيت وكفيت اصبر واحتسب وأجرك على الله ..
وهكذا الأرحام والأصدقاء كل أولئك صبرهم وتصبر معهم فالأجر على قدر الألم والصبر عند الصدمة الأولى .
تذكر عندها بلاء الأنبياء وكمية الضغط الواقع عليهم حتى وصف الله حالهم وصفاً دقيقاً مخيفاً !
﴿ حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ 
[ يوسف: 110]
هذا حال الرسل وهذا عزاؤنا ولانقول إلا مايرضي ربنا إنا لله وإنا إليه راجعون ولاحول ولاقوة إلا بالله .
وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 87].

وقال سبحانه: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾ [غافر: 51، 52].
 فكلما زادت وتعددت الابتلاءات ووقعت على أكثر من واحد من أسرتك ومعارفك وأرحامك وأقربائك تعدد معها الأجر والمثوبة وكذلك الجزاء عندما تلقى الله يوم القيامة وهو عنك راضٍ .
فاحمد الله وتصبر فالدنيا ورب الكعبة دار ممر أيام وساعات وليالي والآخرة دار مقر وسعادة أبدية وعند الله تجتمع الخصوم .
فإذا أصبت بمصيبة فتجلد
وأذكر مصابك بالنبي محمد .
عليه الصلاة والسلام فكيف إذا تعددت تلك المصائب والابتلاءات .
فالحمد لله رب العالمين على كل حال ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

‏للتواصل مع الكاتب : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى