كتاب الرأي

رحيق الأدب… حين تكون الأخلاق معيار الرقي

       ✍️ أسماء المطيري – كاتبة سعودية :

في العقود الأخيرة، طرأت تحوّلات واضحة على مفاهيم المجتمع وعاداته وتقاليده، انعكست بشكل مباشر على سلوك الأفراد وأنماط تعاملهم. وبين من حافظ على القيم الأصيلة وتمسّك بها، ومن تهاون أو تخلّى عنها، تراجعت بعض المبادئ التي كانت تشكّل جوهر العلاقات الإنسانية وقاعدة التماسك الاجتماعي.

ويأتي في مقدمة هذه القيم احترام الكبير وتوقيره، حفظ حقوق الجار، خفض الصوت، عدم مقاطعة الحديث، حسن اختيار الألفاظ، وتقديم الاعتذار بأسلوب راقٍ. وهي قيم لا تعبّر فقط عن تهذيب السلوك، بل تعكس وعي الإنسان بذاته وبالآخرين، وتؤسس لعلاقات قائمة على الاحترام المتبادل.

وبين مفهومي الاحترام والأدب تتجلّى الأخلاق المحمدية بوصفها منهجًا متكاملًا في التعامل، تهذّب النفوس وتغرس معاني الرحمة والتواضع وضبط النفس. ومن منطلق المسؤولية الاجتماعية، تقع على عاتق الفئات المنتجة والمنجزة مسؤولية الاقتداء بهذه الأخلاق، وترسيخها في واقع الحياة اليومية، لما لها من أثر مباشر في بناء مجتمع متوازن ومستقر.

وتزخر الذاكرة التاريخية بنماذج سامية تؤكد أن الأدب يسبق العلم ويعلوه منزلة. فقد كان الخليفة هارون الرشيد — رغم ما بلغ من سلطان — يقف إجلالًا للإمام مالك ويقول: «العلم يُؤتى ولا يأتي»، في صورةٍ بليغة للتواضع الذي لا ينقص من المكانة، بل يزيدها رفعةً واحترامًا.

إن السعي نحو التطوّر لا يكتمل دون منظومة أخلاقية تقوده وتوجّهه؛ فالأخلاق هي البوصلة الحقيقية التي تحدد قيمة الإنسان ومكانته في مجتمعه. والاحترام ليس مجرد كلمات عابرة، بل أسلوب حياة يتجسّد في الأفعال قبل الأقوال، ويظهر في الحِلم والصبر والشجاعة والتواضع.

وفي هذا السياق، فإن تعامل الإنسان مع الآخرين يفضي إلى أحد مسارين: إمّا البناء أو الهدم. فالكلمة قد ترفع، كما قد تجرح، وترميم النفوس بعد كسرها ليس بالأمر الهيّن. لذا، فإن البناء بالقيم أسمى أثرًا وأبقى.

ويُروى أن الأحنف بن قيس — وهو من أشهر رموز الحِلم — تعرّض يومًا للسب والشتم، فلم يقابل الإساءة بمثلها، بل قال بهدوء: «إن كان فيَّ ما تقول فغفر الله لي، وإن لم يكن فيَّ ما تقول فغفر الله لك»، فكان خُلُقه أبلغ ردّ، وأعمق تأثيرًا.

وتتجلى الخلاصة في أن الاحترام والأدب وضبط النفس أقوى من الرد القاسي، وأسمى من فرض الرأي والتسلّط. فالرقي لا يُفرض بالقوة، بل يُكتسب بالأخلاق.

وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
«قيمة كل امرئ ما يُحسن»

للتواصل مع الكاتبة :[email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الله يعطيك العافيه أستاذة أسماء مقال جميل جدا سلمت يداك وسلمت افكارك أختيارك لهذا الموضوع الذي يعالج قضية في غاية الأهمية لله درك أيها الكاتبة الموفقة الحقيقة تطرقتي لموضوع نعائشه في هذا الزمن الذي مع الأسف الشديد قل الإحترام والتقدير ولكن لازلنا بخير أن شاء الله الحقيقة كثرت الملهيات التي من خلالها أنشغل شبابنا عن العادات والتقاليد التي تربينا عليها بالنسبة لي أقول الله يكون في عونهم بيض الله وجهك أستاذة أسماء موضوع مهم وأختيار موفق بارك الله فيك استمري وثفي انك لك قرأ وأنا منهم..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى