قطيعة الرحم … التفكك العائلي الصامت

✍️ أحمد الراوي الرويلي – كاتب سعودي :
رغم المكان العظيمة التي تحتلها الأسرة في المجتمعات العربية، وما فهمناه وتعلمناه من الوصايا الدينية والاجتماعية التي تؤكد على صلة الرحم، إلا أن ظاهرة قطيعة الرحم وتفرق العائلات باتت أكثر حضورًا في السنوات الأخيرة، تظهر أحيانًا بصوت عالٍ في المحاكم، وأحيانًا أخرى بصمتٍ مؤلم خلف الأبواب المغلقة ، في كثير من الحالات، تبدأ القطيعة بسبب خلافات بسيطة: سوء فهم، كلمة قيلت في لحظة غضب، مشكلة حصلت بين الأبناء، أو موقف عفوي . ومع غياب ثقافة الاعتذار والحوار، تتحول هذه الخلافات إلى جدران نفسية يصعب هدمها، وتزداد مسافات الهجر دون توقف ، ومن أبرز أسباب تفكك العائلات( الميراث ) فبعد رحيل أحد الوالدين، تتحول البيوت التي جمعت الإخوة إلى ساحات نزاع، وتُستبدل لغة الود بلغة المطالب والاتهامات. وغالبًا ما تُدار هذه الخلافات بعقلية “الحق بالقوة” بدل “الحق بالحكمة ، فتُقطع الأرحام بسبب هذه الفجوة.
رغم أن وسائل التواصل الاجتماعي قربت المسافات، إلا أنها أسهمت في تعميق الخلافات العائلية. مقارنة الحياة، نشر الخلافات على العلن، أو إساءة الفهم عبر رسالة مكتوبة، كلها عوامل زادت من حدة التوتر. فأصبح “الحظر” أسهل من المواجهة، و”التجاهل” بديلًا عن الحوار.
في بعض الأحيان، لا تكون المشكلة داخل العائلة نفسها، بل نتيجة تدخل أطراف خارجية؛ زوج أو زوجة، صديق، أو حتى آراء متداولة على منصات التواصل. حين يُنقل الخلاف خارج إطاره الطبيعي، يتضخم، وتصبح العودة أصعب لأن الكرامة تُستَحضر بدل الحكمة.
كان كبار العائلة سابقًا يشكلون صمام أمان لحل الخلافات، أما اليوم فقد تراجع هذا الدور مع تغير أنماط الحياة وضعف الروابط الممتدة. كما أن النزعة الفردية وتقديم “الراحة الشخصية” على المسؤولية الاجتماعية أسهمت في تبرير القطيعة باعتبارها خيارًا صحيًا، دون محاولة حقيقية للإصلاح.
لا تتوقف آثار قطيعة الرحم عند طرفي النزاع، بل تمتد إلى الأبناء الذين ينشأون أو تتم توصيتهم على خصومات موروثة، ويتعلمون أن القطيعة حل طبيعي للخلاف. كما يفقد المجتمع إحدى أهم دعائمه: الأسرة المتماسكة، ليحل محلها التفكك والبرود الاجتماعي.
إن صلة الرحم ليست تبادلاً للمنافع (تصلني أصلك)، بل هي عبادة لله ووفاء للطبيعة البشرية. يقول النبي ﷺ: “ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها”. فلنفتح صفحة جديدة، ونرمم ما انكسر، فالعمر أقصر من أن نقضيه في خصام.
نسأل الله أن يصلح الحال ويلم الشتات ويجمع القلوب وإعادة وصل ما انقطع ليست سهلة، لكنها ممكنة. تبدأ بالاعتراف بأن الخطأ مشترك، وبإحياء قيمة العفو، والاستعانة بالحكماء، وتقديم صلة الرحم على الاعتبارات الشخصية. فالعائلة، مهما كثرت خلافاتها، تبقى الملاذ الأول والأخير. أدام الله علينا وعليكم الود والألفة والمحبة
يقول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وفي لفتة عظيمة للصلة مع الله تعالى ( إن الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله ) شجنة أي قرابة مشتبكة ومتصلة كاشتباك عروق الشجر، وهي مشتقة من اسم الله الرحمن، وتفيد أن صلة الرحم واجبة لأنها متصلة بالرحمة الإلهية .
للتواصل [email protected]



