ما الذي حملك على هذا ؟!..
✍️ مها الشاعر – كاتبة سعودية :
“إنني أكره الفخر، إنني أحتقر النفاق الدنيئ، والوشايات، والأقاويل، والنمائم ” دوستويفسكي
كنت في زيارة الأسبوع الماضي لأحد المراكز الصحية، بسبب عارض صحي طفيف ولله الحمد، وفي غرفة قياس العلامات الحيوية وجدت موظفة ذات خلق وأدب رفيع، أخذت العلامات، وزن،ضغط،أكسجين وإلى آخره ..
وأثناء طرحها سؤال عن العارض الصحي دخلت زميلة لها بروح مرحة، ظاهرها الطيب وتطغى عليها الفكاهة وخفة الدم “مبدئياً”.
تبادلت المزاح اللطيف وبعض الضحك مع زميلتها الوقورة، وأثناء ذلك أخبرتها بأن الدكتور فلان يريد منك أداء مهمة ما؛
“روحي وأنا بأكمل عنك.. بإبتسامة عريضة جداً !!.. ”
وما إن غادرت هذه الزميلة حتى تعمدت أن تظهر لي على ملامح وجهها، دون أن تنطق بحرف واحداً مدى تقززها من لمس كل ماهو موجود على مكتب زميلتها ! ..
لم يكن مشهد عفوي، بل تعمدت هذه الموظفة أن تعكس لي هذه الصورة السيئة عن زميلتها، ولا حظت هذا كثيراً عندما كانت تقوم بتعقيم الأدوات باشمئزاز عالي جداً “تعمدت أن تظهره”، والذي بدى لي جداً بأنه “مصطنع وليس حقيقي” .. أثناء ما كانت تسترق النظر لي خلال تلك اللحظات، لترى إن كنت على إطلاع بما تحاول أن ترسله لي أم لا..
خرجت من تلك الغرفة، دخلت غرفة الكشف، الطريق إلى المنزل، حتى عندما استيقظت اليوم الثاني لا زال المشهد يتكرر في ذاكرتي مع عدة أسئلة تدور في رأسي ..
أولها .. يا ترى كم شخص من قبلي ومن بعدي دخل إلى هذه الغرفة وعكست له هذه الصورة السيئة عن زميلتها؟!
والسؤال الآخر .. يا ترى هل تعلم هذه الحمقاء الشريرة بأنها عكست عن نفسها صورة أكثر سوءاً من التي أرادت أن تعكسها عن تلك الوقورة الغائبة للتو ؟!
والسؤال الأهم من هذه .. يا ترى كم يوجد في محيطنا مثل هذه الممثلة البارعة والتي أجادت التحول في بضع ثواني .. ونحن يا غافلين لكم الله ؟! ..
لا أعرف ولكن ذكرني ما حدث بأحد المتحدثين عبر منصة يوتيوب عن مثل هذه المواقف، واعتذر مقدماً لا أذكر اسمه والله..
وكان في مجمل حديثه بأنه عندما تمر بمثل هذه المواقف، أو ترى شخص أمامك يمر بها، لا تندفع بالرد وتذكر بأن الشخص المسيء هو واحد من إحدى ثلاث خاءات، وقد يكون اثنان منها، وفي حالات كثيرة قد يكون جميعها..
١- خاء الخبالة: وهو شخص حقيقة غير مدرك لأفعاله، ولا لمدى تأثير ما يقوم به من سذاجة على الطرف الآخر.. ” وهذا ترحمه ” كما يقول.
٢- خاء الخوف: وهو يعني بأن تميزك أو نجاحك بالنسبة للشخص المسيء يشكل مصدر تهديد لمكانته، سواءً الإجتماعية أو المهنية أو العلمية، فهو يسيء لك من مصدر خوف على هذه المكانة، فيتعمد تشويه صورتك في المحيط الذي أنت تشكل له تهديد فيه ..
“وهذا أيضاً ترحمه”.. كما ذكر صاحب المادة.
٣- خاء الخبث : وهذه تجمع الخائين السابقة، ولكن الفرق هنا بأن الشخص مدرك تمام الإدراك لحجم الأذى الذي يسببه لك، بل ويسعى جاهداً بكل السبل والوسائل لتشويه صورتك، ولكنه يظهر لك بمظهر البريئ العفوي.
يقول أخينا؛ عندما ترى هذا الصنف في محيطك، أولاً لا تقلق ، وثانياً لا تغضب، أما ثالثاً لا ترهق نفسك في الدخول معه في جدال عقيم لا فائدة منه ..
طيب ما هو الحل ؟ الحل أن تنظر إلى عينيه بكل هدوء، ونستذكر بذلك فعل الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه عندما كان يلحظ تصرف مشين أو مستغرب ممن حوله، فيبادر بكل هدوء ليسأل ..
ما الذي حملك على هذا ؟! ومن خلال إجابته سيظهر لك أي الخاءات هو، وعليه ستعرف ماهي الطريقة الأنسب و الأنجع للتعامل مع مثل هذه العينة ..
وقبل أن أختم هنا إقتباس بسيط لمن يعتقد بأن كلمة “خبالة” هي عامية لا أصل لها في اللغة ؛
“• مصدر خبِلَ : هلاك وفساد وشرّ يورث الاضطراب “
ويقال ؛ الناس همُّهم الحياة ولا أرى … طول الحياة يزيد غير خَبَالِ-
وفي قوله تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إلاَّ خَبَالاً} ” .. والخَبَال هو صديد أهل النار.
” خَبَل [مفرد]: مصدر خبِلَ..
(من ناحية الطب) هو ضَعْف عقليّ مزمن، من أخصّ ظواهره عدم تماسك التفكير، وتدهور القدرات العقليّة كالذاكرة والتركيز وقدرة التمييز نتيجة مرض عضويّ، أو خلل في الدِّماغ، يصاحبه اضطراب نفسيّ وتغيرات في الشخصيّة واختلال في الحكم على الأشياء ويقال؛ “عنده خبَل مبكِّر”.””
نسأل الله السلامة والعافية ..
” عدة أوجه ” :
على «مقياس لكل مقام مقال» ، يمكننا القول بأنه لا ضير بأن يكون للمرء عدة أوجه.
وجه للعمل، آخر للمنزل، وثالث لمجلس ليس به نفس ثقيلة، ورابع للمجالس الممتلئة بالأنفس الثقيلة، والتي يحضرها المرء إظطراراً، إما فرضتها صلة قرابة، أو غداء عمل، أو مجلس علمي .. وإلى آخره .
ولكن السؤال هنا .. هل يدخل هذا تحت دائرة النفاق .. أم لا مانع في ذلك ما لم تبطن هذه الوجوه تحتها من النوايا الغير جيدة للآخر المقابل ؟! ..
أقول هنا؛ ومن وجهة نظر شخصية، أعتقد بأنه لا ضير من ذلك في حال أن الشخص لم يرتدي رداءً كاملاً مختلف تماماً عن حقيقته، والتي تحمل مبادئه، أخلاقياته، معتقداته وقناعاته، أو حتى تناقضاته الجلية .
أما من ناحية الشرع فقد ذكر النهي عن تعدد الوجه في حالتين، والأول منهما كملهمتنا لهذا المقال؛
وهو أن تبدي لأحدهم المودة والولاء، بينما أنت تضمر له في داخلك أشد البغض والعداء.
أما الحالة الثانية؛ وهو الذي يذهب لقومين على خلاف، ويأتي هؤلاء بوجه وأولئك بوجه آخر، بهدف تأجيج الخلافات وإنشاء العداوات فيما بينهما.
وإن أصبح نوعاً ما وجود هذا النوعين أقل بكثير مما كنا نرى في فئات عمرية سابقة، وأعتقد هذا ولله الحمد بسبب إرتفاع الوعي، وإطلاع كثير من الناس على الأحكام الشرعية لمثل هذه الفئة في الدين .. عافانا الله وإياكم .
عن عمار، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «من كان له وجهان في الدنيا، كان له يوم القيامة لسانان من نار»..
للتواصل مع الكاتبة:



