كتاب الرأي

الأيديولوجيا .. إلى أين الإتجاه هذه المرة ؟

✍️ مها الشاعر – كاتبة سعودية :

يقول أحد الفلاسفة عن الفرق بين الأيديولوجيا والفلسفة: «إذا رأيت الناس يتناقشون بهدوء، فتلك هي الفلسفة، التي تربت على حوارات وجدل سقراط، أما إذا رأيتهم يتشاجرون فتلك هي الأيديولوجيا… فحين يصير الحوار رفضًا متبادلا، فاعلم أن الفلسفة قد ماتت وأخذت الأيديولوجيا مكانها».

في حين أن الفلسفة تدعو إلى التفكر ، على النقيض تدعو الأيديولوجيا إلى الإنغلاق الفكري والإقصاء لكل من هو وما هو خارج هذه المنظومة الفكرية . 

وبالعودة إلى الأيديولوجيا ، فلقد نشأت الأيديولوجيا في العصر التنويري الفرنسي، أو ما يعرف بعلم الأفكار الوظائيفية وليست التنظيرية،كما قام بصياغتها الفرنسي أنطوان ديستوت دي تريسي، عام ١٩٧٦م .. 

وكانت في حينها ليست أكثر من تعريف لحالة فكرية يعيشها مجتمع ما، لتطوير نظام عقلاني من الأفكار لمواجهة النزعات الغير عقلانية كحالة مجتمعية بشكل عام، ومن ثم أخذ هذا المفهوم مسارا أكثر انحصاراً وارتبط بالجانب السياسي ، وأصبح يعرف بالعلوم السياسية للجماهير .

والأيديولوجيا يمكن النظر إليها من خلال النظرية النقدية السلوكية لفرويد، والتي تشير إلى أن الأيديولوجيا لها وجهان ظاهر وباطن، وغالباً لا يتفق توجه الظاهر مع الباطن، وليس الظاهر سوى قناع يخفي بباطنه الكثير من التوجهات والأهداف التي يرمى إليها بطريقة ملتوية أو غير مباشرة، وهي الدافع والمحرك لهذه المنظومة. 

وللمفكر المغربي د.عبدالله العروي رأي مشابه لهذا حيث قام بتعريف الأيديولوجيا بأنها: ” نسق فكري يحجب الواقع، وذلك عندما يتم أدلجة الفرد ليكون لديه إعتقاد بأن الحقيقة التي لديه تعكس الواقع، بينما في الغالب هي إنعكاس محرف للواقع، وجميع تعريفات العروي تدل على أن جميع الصور الذهنية التي يمتلكها الشخص المؤدلج والتي يعتقد بأنها إنعكاس حقيقي للواقع، هي في الحقيقة عكس ذلك تماماً.

أخذت الأيديولوجيا تعريفات عديدة تتبع مسارات وتوجهات إقتصادية وسياسية واجتماعية مختلفة منذ ظهور هذا المفهوم في القرن الثامن عشر ، حتى وصلت إلى المفهوم المتعارف عليه حالياً بأنها؛ ” المنظومة الفكرية التي تسعى المجتمعات لتجسيدها على أرض الواقع”.

وكما ذكر د.محمد هاشم البطاط دكتوراه علم سياسة في جامعة المستنصرية، في تفسيره وشرحه المختصر للإيديولوجيا فيما معناه، بأن الأيديولوجيا عبر عقود من الزمن تم تلخيصها في قرابة اثنان وسبعون تعريف، وخمسة عشر مدرسة فكرية وسياسية واجتماعية ، كلاً يأخذها للمحور الذي يتوافق مع غرضه وأهدافه.

ولكن جميعها لا تخرج عن واحد من ثلاث توجهات.

المحايد والذي بدأ مع تريسي والذي يتحدث عن منظومة فكرية لنشر بعض الأفكار التثقيفية والتي تساهم في تطوير المجتمعات دون تحيز لأي توجه سياسي أو غيره.

والآخر وهو الإيجابي “كما ذكر الدكتور” والذي يعتقد مؤسسه وعلى رأسهم كارل ماركس وكذلك تابعيهؤ وذلك بخلقهم لمنظومة فكرية جديدة بهدف الإرتقاء بمستوى المعيشة، أو إحداث بعض التغييرات والتي تتعلق بالسلطة وأصحاب النفوذ، أو الطبقات العليا من المجتمع.

ومن خلال تطوره من مرحلة تلو أخرى حتى وصلنا للإتجاه الذي أشار إليه د.البطاط بالتوجه السلبي والسائد في هذا الوقت.

وهو الذي يدعم الإنغلاق على منظومة فكرية معينة لا تقبل النقض أبداً، وقائمة على الإقصاء لكل من هو وما هو خارج هذه المنظومة.

والمبني على أفكار مغلوطة ، ومعلومات زائفة يتم نشرها وأدلجة بعض المجتمعات عليها للوصول لغايات وأهداف بالغالب .. ليست نبيلة بل هدامة. 

والأيديولوجيا ليست بالضرورة أن تكون داخل إطار محدود، كدولة أو جماعة أو منظمة مستقلة، وليست بالضرورة أيضاً أن تكون ممارسة داخلية، وخصوصاً في مثل هذا الوقت الراهن الذي نعيشه.

فجميع المنظومات الإحتماعية أصبحت متداخلة ومنفتحة على بعضها البعض أكثر من أي وقت مضى، ليس كأبناء القرية الواحدة كمان كان يقال قبل عدة سنوات، بل كأفراد المنزل الواحد .. نعم إلى هذه الدرجة.

لذا في ظل ما تشهده المنطقة من هذا التطور المتسارع والذي يسعى لحل وإحلال ليس فقط نظم سياسة، بل فكرية ومجتمعية.

فهذه الحقبة التحولية التي تعيشها المنطقة هي الأكثر مزامنةً للعديد من الحقائق الزائفة، ونشر معلومات مغلوطة لأدلجة الشعوب تعبوياً وتبعياً، لمصالح وأهداف أصبحت لا تخفى على أحد، فالوعي في مثل هذه المراحل هو مطلب وضرورة لا خياراً رفاهياً، للتصدي لمثل هذه التوجهات الأيديولوجية التي تستتر تحت أقنعة عديدة مضللة في هذا الوقت.

الطريق منحدرة:

أقر بأني أحمل عدائية عالية جداً تجاه فكرة الذكاء الإصطناعي بكل أشكاله، وهنا أقصد ما يقوم مقام الفرد وليس ما يحصر داخل “التقنية والتي هي بالتأكيد ضرورة لابد منها” ، وأحاول قدر المستطاع بأن أحيد بنفسي عن استخدامه ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. 

ولدي معتقد شخصي في ذلك بأنه ليس أكثر من أداة لتعطيل العقل البشري، و ها نحن في مرحلة إنتقال لتعطيل الجسد البشري بمحاولة زرع فكرة الإعتماد شبه الكلي على الروبوت في جل المهام الفكرية والجسدية.

وفي هذا السياق كثر مؤخراً الحديث عن محاولة قولبت الإنسان وتحويله إلى آلة حتى في طريقة بناء المسكن، وليس فقط على سبيل إقحام الآله في كل تفصيله من تفاصيل هذا الكائن البشري العجيب.

وذلك تحت غطاء ما يعرف بالـ Minimalism

والتي تدعو إلى التصغيرية أو التقليل في كل ما يساعد في ازدياد الحركة الديناميكية في كل ما يحيط بالإنسان، أي الدعوة إلى البساطة ولكن ليست بأفضل صورها، وبدأت هذه الحركة في الفن بعد الحرب العالمية الثانية كرد فعل غاضب تجاه التعبيرية والحداثة، ومن ثم أخذت تتسع إلى بقية مناحي الحياة.

ويكثر في ذلك الحديث عن مؤامرات تحاك خلف ذلك لأهداف اقتصادية وغيره، والتي لا أصدقها البتة، ولكن في الوقت ذاته هي ليست محل تكذيب.

فكثير من التحولات عبر الزمن كانت تحت غطاء ظاهر لباطن يختلف عما يتم الترويج له بالظاهر، وهنا تكمن خطورة الأيديولوجيا.

وبغض النظر عن العداء الذي أحمله بكل فخر تجاه الذكاء الإصطناعي، إلا وأن تلك الأداة المساعدة المعروفة بـ قوقل ماب هي الوحيدة التي استطاعت أن تسلب لب فكري بهذه العبارة.. “الإتجاه نحو الطريق المنحدرة”..!

وهنا أتساءل.. يا ترى كم منا بحاجة إلى مثل هذا التنبيه الرصين؟!.

 كم منا يعتقد بأنه يسير إلى طريق لا يشق له فيها غبار، ويتذاكى ويخادع ويتملص ويحيد عن جادة الصواب بين تارة وأخرى، معتقداً بسذاجة الجميع من حوله؟.. 

 بينما الجميع يود لو يصرخ بصمت ملئ حنانيه الشفقة؛

 “الطريق منحدرة” .. أرجوكم كفى عبثاً ، لا جاهل هنا، وليس بأعمى ومغيب عن المشهد .. سواكم.. هلاَّ أفقتم ؟!.. 

فطال الزمان أم قصر .. فحافر الحفرة دائماً لا يقع فيها أحد سواه، ولنا في التاريخ شواهد عدة. 

للتواصل [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى