كتاب الرأي

تحليل نقدي فلسفي بقصيدة ( روحي تناغي ) للأديبة عنبر المطيري

بقلمي / عبدالله بن عبيد اليوبي

عنوان ذكي من الشاعرة ومحمّل بدلالة عميقة، لأن المناغاة فعل لغوي سابق على اللغة ذاتها؛ هي صوتٌ يسبق المعنى، وتواصلٌ يسبق الوعي. نعم، هي تعود بنا إلى الطفولة، لكن ليس بوصفها مرحلة زمنية، بل بوصفها حالة وجودية: البراءة الأولى، والنقاء قبل أن تُرهَق الروح بالتجربة والتأويل.

فالأستاذة عنبر حين تضع عنوان القصيدة روحي تناغي، فهي لا تُعلن طفولةً ساذجة، بل تشير إلى:
• تحرّر الروح من ثقل العقل
• عودة الشعور إلى حالته الأولى قبل أن تُدجّنه اللغة والمنطق
• محاولة للتواصل مع العالم لا عبر الفهم، بل عبر الإحساس
المناغاة هنا ليست نقصًا في التعبير، بل اكتمالًا روحيًا؛ لأن أصدق الحالات الإنسانية هي تلك التي تعجز اللغة عن حملها. كأن الشاعرة تقول:
روحي بلغت من الصفاء ما لم تعد تحتاج فيه إلى شرح.
على اني من زاوية فلسفية أعمق، يمكن اقرأ عنوان القصيدة كاحتجاج ناعم من الشاعرة على عالمٍ قاسٍ فالمناغاة فعلٌ بلا صراع، بلا مواقف، بلا ادّعاء معرفة. إنها لغة البراءة في مواجهة لغة الخيبة.

الروح لا تُجادل… بل تُناغي.

لهذا فالعنوان لا يرمز فقط إلى البراءة، بل إلى حنينٍ أنطولوجي إلى الحالة الأولى للوجود؛ حين كان الإنسان أقرب إلى ذاته، وأبعد عن الأقنعة
روحي تناغي”
هذا الافتتاح يعكس الانسجام الداخلي للذات مع العالم الخارجي. لان هذه القصيدة غير عادية ولن تكون عادية أنا اعتبرها فتح جديد في الشعر العربي فتح مضئ في سماء الادب العربي لم يطرقه احد قبل عنبر المطيري هي مشروع ثقافي وفلسفي بامتياز: مشروع يعيد للحب أبعاده الأخلاقية، ويعيد للبنية الشعرية مرونتها في التعبير عن الذات والوعي، ويضع النص الشعري في موقع النقد البنيوي والاجتماعي.

إنها تجربة تُظهِر أن الشعر لا يمكن أن يكون مجرد جمال لغوي، بل أداة لاستكشاف الإنسان والقيم التي تشكّل عالمه، وأن إعادة تعريف الحب وإعادة صياغة الثقافة هما فعلان فلسفيان لا يقلان أهمية عن أي إنجاز شعري.

فيما البيت الثاني:
يظهر عبقرية عنبر المطيري الادبية وتفردها حيث تقول
“يتناوش الدنيا بعطر نخيل”
هنا تظهر صورة حسية مزدوجة؛ الفعل “يتناوش” يشير إلى لعبة خفية مع صخب الحياة، بينما “عطر النخيل” يضيف لمسة من الثبات والجمال الطبيعي. النخيل رمز للهوية والجذور، وللروح العربية الأصيلة، مما يعكس قدرة الشاعرة على مزج الواقع بالرمزية، ويحوّل الحياة اليومية إلى تجربة شاعرية.عالية الخطى الواثقة التي تمشي بطمأنينة وهذه لوحدها تجعل عنبر ليست عابرة في الشعر بل متفردة

البيت الثالث:
“روحي تناغي للصباح كمهرة”
هذا البيت يحمل بعدًا فلسفيًا، إذ تشبّه الروح بالمهرة الحيوية والمستقلة، مستقبلة الصباح بالفرح والتجدد. الصباح هنا ليس مجرد لحظة زمنية، بل رمز للبدايات الجديدة، ولقدرة الروح على الانطلاق والتجدد. الشاعرة تصور الروح ككائن حي، متفاعل مع الجمال المحيط، متحرر من القيود، قادر على التماهي مع الحياة.

البيت الرابع:
“وتعلم الأيام مجد أصيل”
الأيام هنا تصبح معلمة، تعطي الإنسان حكمة وتجارب تتجاوز الماديات، فتصل به إلى “المجد الأصيل”، أي النجاح القائم على القيم الحقيقية والصبر والمثابرة. الشاعرة تعكس فلسفة عميقة: أن الزمن علمٌ لا يُستهان به، وأن التجربة الإنسانية تبني شخصية الإنسان وأصالته.وهذا يؤكد عبقرية عنبر الادبية والشعرية حيث استعانت بالزمن بوصفه علم وتجربة وهي هنا تحكي جزء من تجربتها الذاتية فبين السطور تظهر شخصية عنبر الصبورة القادرة على تجاوز المصاعب بثبات ويقين وايمان بالله لاينكسر وتمسك بالهوية العربية مهما كانت رياح التغريب

البيت الخامس:
“متوضئٌ بالحب كل عشية”
هنا يظهر ابداع الشاعرة في بناء الرمزية الروحية، ومزجها بالصور البلاغية حيث تشبه الحب بالوضوء، أي طهارة الروح وتجديدها اليومي. الحب عند عنبر ليس مجرد شعور عابر، بل هو طقس روحي يعيد توازن الإنسان ويجعله مستعدًا لمواجهة الحياة بروح صافية ونفس مطمئنة.لا تعرف اليأس ولا تقبل الانكسار
البيت السادس:

“يرعى الندى ويلج بالتهليل
ياتي هذا البيت متوافقاً مع البعد الصوفي بوصفه نموذجًا مكثفًا لهذا النوع من الكتابة، حيث تتشابك الرمزية الطبيعية مع الدلالة الروحية لتنتج خطابًا يتجاوز الجمالي إلى الفلسفي.

لان الندى بوصفه بنية للفيض لا عنصرًا طبيعيًا
يحضر الندى في هذا السياق بوصفه رمزًا للفيض اللطيف، ذلك الذي يأتي بلا عنف ولا استحقاق ظاهر.

فالندى لا يُنتزع ولا يُطلب، بل يُمنح في لحظة صفاء.

ومن هنا، فإن إخراجه من سياقه الطبيعي إلى سياقه الرمزي يحيله إلى تمثيل للمعرفة أو النعمة التي لا تُنال بالفعل الإرادي القسري، وإنما بالتهيؤ الداخلي.

ويعزز هذا المعنى اختيار فعل يرعى، الذي ينقل العلاقة بين الذات والفيض من منطق الامتلاك إلى منطق العناية والمسؤولية. فالرعاية تفترض الاستمرارية، واليقظة، والتواضع أمام ما هو مُعطى،
، و**“يلج بالتهليل”** يربط بين الروح والطهارة والذكر، فتتداخل الحياة الروحية مع الطبيعة والوعي الذاتي.

البيت السابع:
“وأراه في زمن الأنوثة عاشقا متمردا كفجاءة السجيل”
هذا البيت يعكس التوتر بين الزمن والهوية والجسد، ويصور الرجل في زمن الأنثى كرمز للتمرد والعشق في آن واحد. التناقض بين العشق والتمرد يضيف بعدًا فلسفيًا، حيث تُظهر الشاعرة صراع الإنسان بين الانقياد للعاطفة وبين الرغبة في الاستقلالية والتمرد على القوالب الاجتماعية.

البيت الثامن:
“وتطوف في عينيه نظرة نافل قد فوّت الركعات بالترتيل”
الختام يترك أثرًا روحيًا صوفيًا، إذ تشير “نظرة نافل” إلى شيء زائد عن الواجب، يعكس العاطفة والصدق الروحي، بينما “فوّت الركعات بالترتيل” توحي بالفقدان أو الفرص الضائعة. هذا البيت يربط بين الحياة اليومية والبعد الروحي، ويختم النص بنغمة عميقة من التأمل، مؤكدًا أن الإنسان يعيش بين الروح والواقع، بين الخسارة والسكينة.

الأستاذة عنبر المطيري شاعرة تمزج بين الحس الفني العميق والتأمل الفلسفي، فتخلق نصوصًا تنبض بالحياة والروح في آن واحد. هي لا تكتب كلمات عابرة، بل تصنع عوالم شعرية تتفاعل مع القارئ على مستويات متعددة: الحسية، العاطفية، والفكرية. قدرتها على المزج بين الصور الطبيعية والرمزية، بين الانفعال الصادق والفلسفة الدقيقة، تجعل نصوصها منارة في المشهد الأدبي العربي، وصوتًا يتجاوز الحدود الزمنية والمكانية، يلامس جوهر التجربة الإنسانية.

عنبر المطيري نموذجاً المثال الأرفع للشاعرة التي تكتب من عمق الروح، والتي تكتب عن الحب بصفته شعور سامي نبيل هدفه العطاء وليس الامتلاك الحب بصفته روحي متسامي بعيد عن الإيحاءات الجسدية انما حب يعيد للفضيلة معناها الاستاذة عنبر تستطيع أن تجمع بين الجمال الفني والحكمة الوجودية، بين العاطفة والفكر، فتترك أثرًا دائمًا في القارئ، وتجعل كل نص تجربة تأملية وفنية متكاملة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى