كتاب الرأي

“الأخلاق والرحمة بين الأقوال والأفعال”

✍️ عبدالله محمد العجمي – كاتب عماني:

هناك الكثير من العبارات في حياتنا اليومية تتغنى بالأخلاق وتدعو إلى الرحمة، حتى أصبح الحديث عنهما جزءًا من ثقافتنا العامة. إلا أنّ الفارق الحقيقي بين الإنسان وغيره لا يُقاس بما يقوله، بل بما يفعله حين تُختبر القيم وتُوضع المبادئ في المواقف الصعبة، فالأخلاق؛ ليست خطبًا ولا شعارات، بل سلوك يبني الثقة، ورحمة تُمارَس قبل أن تُقال.

الأخلاق جوهرها مرآة النفس، تظهر في طريقة تعامل الإنسان مع من حوله، في صدقه ولينه، واحترامه للآخرين، وفي قدرته على ضبط نفسه عند الغضب أو الخلاف. هناك كثيرون يجيدون الحديث عن مكارم الأخلاق، لكنّ الامتحان الصعب يكمن في الالتزام بها حين تتعارض مع المصلحة الشخصية، أو الراحة أو الكِبر. فالأفعال وحدها هي التي تُثبت صدق النوايا وتمنح الكلمات المعنى الحقيقي.

أما الرحمة فهي أعمق من مجرد شعورٍ عابر أو كلمةٍ تُقال لمواساة الآخرين. الرحمة موقف يظهر في التفهم ومساندة الضعفاء، والرفق بالناس، وتغليب الإنسان على القوانين الجامدة حين يكون في ذلك حياة أو خير. الرحمة هي الشعور بمعاناة غيرك كأنها معاناتك وأن تمتد يدك لتخفيف الألم بدل الوقوف موقف المتفرّج وهي في الوقت ذاته وعيٌ ومسؤولية لا شفقة عابرة أو إحسانًا يُقال أكثر مما يُفعل.

وفي هذا الزمن، تتكاثر الأقوال وتقلّ فيه الأفعال، وتظل الأخلاق والرحمة معيارًا واضحًا لتمييز الصادق من المدّعي. فالكلمة الجميلة لا قيمة لها إن لم تتبعها خطوة والشعور النبيل يفقد معناه إن لم يتحوّل إلى عطاء. المجتمع لا يُبنى بالأحاديث والأمنيات بل بالأخلاق التي تُمارس والرحمة التي تتجسد في التعامل اليومي بين الناس في البيت والعمل، والشارع وكل مساحة يلتقي فيها البشر.

وفي النهاية يبقى الإنسان الحقيقي هو الذي ينسجم قوله مع فعله ويتسق ظاهرُه مع باطنه، فلا يُظهر من الرحمة ما لا يحمله قلبه، ولا يدّعي من الأخلاق ما لا تترجمه خطواته. فالقيم العظيمة لا تُصان بالكلام بل بالأفعال التي تترك أثرًا في النفوس، وتنثر الخير حيثما حلّت.

[email protected] 

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى