البركة .. رزقٌ لا يُقاس بما في الجيوب

✍️ مسفر محمد الأكلبي – كاتب سعودي :
في البداية قال الله تعالى
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
في خضمّ تحديات الحياة وضغوطها اليومية، يظلّ مفهوم البركة واحدًا من أكثر الأسرار غموضًا ودهشة. فكم من إنسان يملك القليل، لكنه يكفيه ويكفي من حوله، وكم من آخر يملك الكثير، لكنه لا يجد فيه نفعًا ولا طمأنينة.
تُجسّد هذه الحقيقة قصة رجل أعرفه عن قرب؛ موظّف بسيط يعمل في وظيفة عادية، دخلها محدود، ومسؤولياتها كبيرة. ومع ذلك، يتحمّل أعباء أسرة واسعة تتكوّن من سبع أخوات، وأمّ كبيرة في السن، وزوجة وأبناء. ورغم رحيل والده قبل سنوات، لا تزال الأسرة متماسكة، ومطالب الحياة تُلبّى بلا شكوى ولا نقص ظاهر.
هذا الرجل لا يمتلك ثروة ولا سلطة، لكنه يمتلك ما هو أثمن: بركة في رزقه، وسعة في قلبه، ورضا يفيض على من حوله.
فبيته لا يعرف الضيق، وأخواته لا يشعرن بحاجة، وأسرته الصغيرة تنعم بالطمأنينة، كأنما الله وضع في رزقه سرًا يجعل القليل كثيرًا.
وعلى الجانب الآخر، ثمة امرأة لديها ستة إخوة، وكلّهم قادرون على العطاء، ومع ذلك تعاني من نقص في حاجات الحياة الأساسية، وتتعثّر خطواتها رغم كثرة من يفترض أنهم سندها.
هذه المفارقة الإنسانية تُعيد أمامنا سؤالاً مهمًا:
كيف تتفاوت حياة الناس بهذا الشكل رغم اختلاف الظروف وتشابهها أحيانًا؟
الجواب، كما تؤكده قصص الواقع، أن البركة ليست نتيجة حسابات مادية، ولا تخضع لتوازنات الدخل والمصاريف. إنها هبة إلهية تمنح الإنسان قدرة على التوسّع بالعطاء، والثبات أمام الضغوط، والرضا بما قسمه الله.
فالبركة هي التي تجعل القليل يغني، وهي التي تحوّل الضيق إلى سَعَة، وتزرع الطمأنينة في البيوت قبل أن تطرقها الأموال.
وفي النهاية، يبقى الدرس الأجمل:
الرزق الحقيقي ليس ما يدخل الجيب، بل ما يزرعه الله في النفس من سكينة، وفي البيت من دفء، وفي العمل من توفيق.
للتواصل [email protected]



