كتاب الرأي

‏تحليل فلسفي لقصيدة “نجدية” للأستاذة عنبر المطيري

قراءة _ عبدالله عبيد اليوبي :

‏لكن بداية دعوني اوجه رسالة إلى الأديبة والشاعرة الاستاذة عنبر المطيري فاقول؛
‏إنّ في نصّك حضورًا يتجاوز حدود الشعر إلى رحابة الفكرة. فالقصيدة عندكِ ليست فعل قول، بل فعل وجود جمالية تتشكّل من وعيكِ بالإنسان، وبدور الجمال في تخفيف ثقل العالم وإعادة تنسيق فوضاه.
‏تكتبين بحدسٍ يذكّر بالرومانسيين حين جعلوا الطبيعة خطابًا روحيًا، وبقوة الوجوديين حين آمنوا بأن الكلمة قد تكون مخرجًا من العتمة إلى الفهم.
‏في نصك (نجدية)
‏يتجلّى هذا الوعي في أجمل صوره؛ إذ يصبح الجمال عندكِ قدَرًا يُزرع، والهوية حقيقة تُبنى، والحرف مساحة تنمو فيها المواسم.
‏ولعل هذه القدرة على توحيد الإحساس بالفكرة هي ما يجعل نصوص الاستاذة عنبر تحمل قيمة فلسفية صافية: فهي تُعرّف الجمال لا بوصفه زينة، بل باعتباره طريقة أرقى للوجود في العالم.
‏لكِ يا أستاذة عنبر كل الامتنان على نصّ يوقظ الذائقة، وينعش المعنى، ويؤكد أن الشعر—حين يكتبه من يعي جوهره—قادر على أن يجمع بين دفء الروح وعمق الفلسفة.

‏تحليل قصيدة (نجدية) نظرة فلسفية

‏تبدو القصيدة للوهلة الأولى وصفًا جمالياً، لكنها—عند قراءتها بعين فلسفية تكشف عن طبقات من المعنى تتجاوز حدود الوصف إلى تأملات في الهوية، والجوهر، والعلاقة بين الإنسان والأرض، وبين الجمال والحضور الوجودي.

‏1. الجمال كجوهر لا كظاهرة

‏في قولها:
‏«نجديةٌ مُزج الوداد بأرضها»
‏تؤسس الشاعرة لفكرة فلسفية عميقة: أن الجمال ليس طارئًا على الإنسان، بل هو جزء من بنيته الوجودية؛ يمتزج فيه ما هو روحي بما هو مكاني.
‏هذا يتقاطع مع الفلسفة الظاهراتية (الفينومينولوجيا) التي ترى أن الإنسان لا يُدرَك منفصلًا عن محيطه، بل هو كائن-في-العالم تتشكل هويته من تداخله مع المكان.
‏فالوداد هنا ليس شعورًا يجيء ويزول، بل طبيعة في الأرض والإنسان معًا، كأن الروح والمكان يتعاونان في تشكيل الهوية.

‏2. الهوية بوصفها إرثًا جماليًا

‏في البيت:
‏«تسعى لتزرع بالجمال غراسها»
‏نجد مفهوم الهوية الديناميكية—ليست ثابتة ولا وراثية فقط، بل تُزرع وتُنمّى وتُعاد صياغتها.
‏هذا يشبه تصور الفلاسفة الوجوديين: أن الإنسان مشروعٌ جماليّ يخلقه بالوعي والخبرة والقرار.

‏فالمرأة النجدية، كما تصوّرها الاستاذة عنبر ، ليست مجرد نتاجٍ للمكان، بل فاعل جمالي يضيف إلى وجوده ويؤثثه بمعناه الخاص.

‏3. الجمال كقوة حامية

‏الصورة:
‏«كأساورٍ بالحسن تكلأ معصمي»
‏تحمل فكرة فلسفية بديعة:
‏الجمال ليس ترفًا بل حماية.
‏هو درعٌ معنوي، يشبه ما تحدّث عنه أفلاطون بوصف الجمال “تناغمًا يحفظ الروح من الفوضى”.
‏الأساور هنا ليست للزينة فقط، بل للـ”كلاءة” أي الرعاية، وهو ربط دقيق بين الزينة كظاهرة و الطمأنينة كجوهر.

‏4. لحظة البريق ولادة جديدة

‏في:
‏«فبدا البريق للحظة بسمائها
‏حتى نما للسحر أجمل برعم»
‏يدخل النص في منطقة الفلسفة الجمالية الزمنية؛
‏إذ يرى أن لحظة واحدة من الإشراق قد تغيّر الوعي بأكمله، وتلد “برعم السحر”.
‏هذا يقود إلى رؤية هايدغرية مفادها أن الإنسان يختبر لحظات “انكشاف” تكشف له جوهر الوجود—وهي هنا لحظة البريق.

‏فالبرعم ليس نباتًا، بل هو انبثاق المعنى.

‏5. العلاقة بين الإبداع والذاكرة

‏في الختام:
‏«ونوادري فاضت ورود خميلها
‏بدفاتري مثل اخضرار الموسم»
‏تظهر فكرة فلسفية عن تحول التجربة إلى نص، وعن قدرة الذاكرة على أن تنبت داخل الورق.
‏الدفتر هنا ليس وسيلة تسجيل، بل امتداد للوجود الداخلي.
‏والنوادر ليست مجرد خواطر، بل “ورود” في خميلة، أي تجسدات جمالية للوعي.

‏يشبه هذا ما قاله برجسون عن الذاكرة بوصفها “زمنًا حيًا ينمو داخل الإدراك”.

‏⸻

‏الخلاصة الفلسفية

‏القصيدة في جوهرها تأملٌ في ثلاثة محاور:

‏1. الجمال بوصفه أصلًا وجوديًا

‏ليس سلوكًا ولا حالة، بل طبيعة متجذرة في الإنسان والمكان.

‏2. الهوية كفعل ووعي

‏فالمرأة النجدية ليست انعكاسًا للمكان فحسب، بل هي مشروع جماليّ تستمر في زرعه وصنعه.

‏3. الإبداع كتحويل للحظة إلى خلود

‏لحظة بريق واحدة تكفي لتوليد معنى، ولتنمو في الدفاتر “مواسم” كاملة من الجمال

——————————

” نجديةٌ “

نجديةٌ مُزج الودادُ بأرضها
‏تُغري بلحن الحب كل متيّم

‏تسعى لتزرع بالجمال غراسها
‏كأساورٍ بالحسن تكلأ معصمي

‏فبدا البريق للحظة بسمائها
‏حتى نما للسحر أجمل برعم

‏ونوادري فاضت ورود خميلها
‏بدفاتري مثل اخضرار الموسم

‏عنبر المطيري

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى