كتاب الرأي

النظرية الجشطالتية

           ✍️ مها الشاعر _ كاتبة سعودية :

“هناك فرق بين اللغز والسؤال؛ الأسئلة تتطلب إجابات، أما اللغز فيتطلب شيئًا أكثر قيمة: التفسير.” .. فيرتهايمر.

ماكس ويثمير “فيرتهايمر” وهو أحد مؤسسي علم النفس الجشطالتي بالتعاون مع وولفغانغ كوهلر وكورت كوفكا.
وهي النظرية التي تحث على التعلم بالفهم والإستبصار، وتعني بأن الكل أكبر من الجزء، وتعتمد على الفهم وإدراك العلاقات ما بين الأجزاء للوصول إلى الشكل الكلي.
والجشطالت هو لفظ ألماني معناه الشكل أو الصورة، والمعني بالصورة هنا هو الشكل الخارجي من جهة، والبنية الباطنية والتنظيم الداخلي من جهة أخرى.
والجشطالت حسب تفسير فيرتهايمر هو البنية أو الشكل الكلي المترابط الأجزاء بإتساق وإنتظام، بحيث تكون الأجزاء المكونة له في ترابط فيما بينها من جهة، ومع الكل ذاته من جهة أخرى، فكل عنصر أو جزء في الجشطالت “الشكل” له مكانته ودوره الوظيفي الذي تتطلبه طبيعة الكل.
والنظرية الجشطالتيه هي التي نادت بأن التعلم عن طريق الفهم والإستصبار هو أكثر تأثيراً وأثراً وبقاءً في الذاكرة، مقارنة بالتعلم عن طريق الحفظ والتطبيق دون فهم وإدراك.
لقد ظهرت المدرسة الجشطلتية في بداية القرن العشرين لتخالف المدرسة السلوكية والمدارس الكلاسيكية السيكولوجية الفلسفية التي سبقتها من قبل، مثل الإتجاه الميكانيكي والترابطي والتحليل النفسي.
والتي كانت تتعامل مع الأجزاء كلاً على حدة، وكأنه الجزء أو القسم الأهم في التعامل مع المشكلة أو الحدث، والتي كانت تنظر إلى الحياة العقلية نظرة تجزيئية بعيداً عن النظرة الشمولية التي قامت عليها النظرية الجشطلتية، والتي ترى بأن جميع الأشياء عبارة عن؛ ” كُل تتكون فيه الأجزاء المكونة من العناصر والعلاقات المترابطة ترابطاً ديناميكياً فيما بينها كأجزاء من جهة، وما بينها وما بين الكل من جهة أخرى” .
وبالنظر إلى تعريف كلاً منهما لعملية التعلم قد يكون الفرق أكثر وضوحاً ما بين منهجية كلاً من الإتجاهين.
التعلم في المدرسة السلوكية : هو عبارة عن مشاعر روتينية مبنية على التعزيز والتكرار والمثير والإستجابة .
بينما التعلم في المدرسة الجشطلتية : هو عملية شاملة يتم فيها تنظيم المعلومات في الذهن البشري حتى يفهم الإنسان الصورة الكاملة للمشكلة، وكذلك الكائنات الحية الأخرى، ومن ثم من خلال التأمل والتفكير عن طريق دراسة علاقة الجزء ببقية الأجزاء، وجميعهم بالكل ، يمكننا التوصل إلى الفهم والإستبصار ، وإيجاد الحلول المناسبة لحل المشكلة دون ارتكاب الأخطاء .
ولتوضيح منهجية الدراسة أكثر ، قام كوهلر بعمل تجربتين على قرد الشمبانزي، وتم اختياره بناء على أنه الحيوان الأقرب لتركيب الإنسان فسيولوجياً.
حيث قام كوهلر في التجربة الأولى بوضع قرد جائع في قفص، وبجواره داخل القفص عدد من الصناديق المفرغة، وقام بتعليق الموز في أعلى القفص بمسافة تبعد عن إمكانية قرد الشمبانزي من الوصول إليها .
عند نظر القرد إلى الجزء من الصورة “الموز” قام بمحاولة القفز عدة مرات للوصول إليه ولكن لم تنجح محاولته.
ومن ثم عن طريق التأمل والإستبصار، بعد أن نظر قرد الشمبانزي إلى الصورة بمبدأ جشطلت وبأن الكل أكبر من الجزء، حينها لاحظ وجود الصناديق وأدرك بأنها قد تكون جزء من الحل، بدأ في محاولات عدة في استخدامها للوصول إلى الهدف، بعد مرات عدة من السقوط استطاع القرد أن يتوصل إلى الطريقة الصحيحة في ترتيب الصناديق، للوصول إلى الموز في أعلى القفص وهو “الجزء” .
وهذا يشير إلى الجانب المهم من النظرية، ألا وهو بأن التعلم ليس شرطاً أن يتم عن طريق ارتكاب الأخطاء، وكذلك بأن معرفة الحلول ليست كافية وحدها للوصول إلى الهدف أو النتيجة المرجوة، ولكن طريقة التطبيق أيضاً مهمة بقدر أهمية معرفة الحل، وهذا مما يدعم التوجه الجشطلتي بأن التعلم هو عبارة عن مزيج ما بين التأمل والتفكير والفهم والإستبصار، والذي يؤدي إلى الإدراك لمعرفة الحل، وكذلك معرفة الطريقة الصحيحة لتطبيقه.
وفي التجربة الأخرى قام كوهلر بوضع الموز خارج القفص ، ووضع اثنتان من العصا بجانب القرد داخل القفص ، هنا استطاع قرد الشمبانزي بناء على التجربة السابقة أن يدرك علاقة الأجزاء بعضها ببعض “الموز والعصا”، وعلاقتها بالكل لإيجاد الحل، وبالتفكر والإستبصار الناتج عن تجربة سابقة مثلما ذكرنا، تمكن من الوصول إلى الموز باستخدام العصا بعدد من المحاولات أقل من التجربة السابقة.
والإستبصار من مفهوم جاشطلتي هو أول لحظة في الإدراك المتدبر التحليلي، والذي يصل بالتعلم إلى اكتساب الفهم، أي فهم مختلف أبعاد الجشطالت “الشكل”، والذي يعني تحقيق الفهم الكامل للأشياء.
بينما الإدراك هو العملية التي يتم بها معرفتنا وإدراكنا للعالم الخارجي عن طريق الحواس.

وتنتهي نظرية الجشطالت إلى أن التعلم الصحيح قد يتم عن طريق محاولة واحدة، تسبقها فترة تأمل لإعادة تنظيم المواقف، ودراسة علاقة الجزء بالكل وكيفية الإستفادة منها، للوصول إلى الحلول المناسبة للمشكلة.

*نحن والجشطالت*
تقوم نظرية الجشطالت على عدة عوامل تساعد على إدراك علاقة الجزء بالكل، مثل التنظيم والإمتلاء مثلاً ، حيث يساعد تنظيم الأجزاء داخل الكل في دراسة العلاقة فيما بينها البين، وكذلك ما بينها وبين الكل.
والتشابه أيضاً .. حيث يسهل القيام بجمع العناصر المتشابهه في أحد الخصائص بعضها مع بعض، على فهم أكثر شمولية للصورة ولنوعية العلاقات التي تربطها، وكذلك بالنظر إلى عامل التقارب ، فكلما كانت الأجزاء أكثر تقارباً، كلما ساعدت في تكوين تصور أكثر وضوحاً لعلاقات الأجزاء بعضها البعض، وكذلك علاقتها بالكل، وفهم العلاقات الترابطية ومدى تأثير كلاً منها على دور ووظيفة الآخر .. وهكذا بقية العوامل .
ومن أهم مميزات النظرية الجشطالتية بأنه يمكن تطبيقها على جميع جوانب الحياة، إحتماعية، تربوية، إقتصادية وغيرها .
أنت وأنا جزء من عائلة، هذه العائلة جزء من مجتمع، هذا المجتمع جزء من قرية أو مدينة، وكلتا القرية والمدينة جزء من منطقة، وهذه المنطقة كعدة مناطق من حولها .. جزء من دولة، وهذه الدولة جزء من عدة دول حول العالم، وهذا العالم بأكمله ماهو إلا جزء في هذا الكون الفسيح، كبقية الأجزاء المكونة لهذا الكل “الكون” .
لو فهم واستبصر وأدرك كل جزء منا علاقته بالجزء الآخر، وعلاقة جميع هذه الأجزاء بالكل ، ولو أدرك الكل أدوار وأهمية كل جزء فيه ومدى ترابط كلاً منها بالآخر في تكوينه، ومدى تأثر كلا من الجزء بالكل والعكس صحيح، لن أقول لنعمنا جميعنا بعالم أفلاطوني، ولكن بلا شك بأن فهم كل جزء دوره ووظيفته ومدى أهميته وتأثير علاقته الترابطية بالكل، هذا كفيل بأن يخلق بيئة أكثر تنظيماً ، وأنظمة أكثر جودةً واتساقاً، ومجتمعات أكثر تفهماً و تعايش ، وعلاقات صحية أكثر تفاهماً وتوافق .
حيث أن الجزء البشري في هذا الكل هو الركيزة الأولى في بناء جميع الأنظمة الإجتماعية، والعملية ، والتعليمية، والتي تبنى عليها بقية الأنظمة الأخرى .
فلا ينبغي أن يكون قرد الشمبانزي أكثر فهماً واستبصاراً وإدراكاً تحليلي متدبر منا .. نحن معشر البشر.

“التعلم بالفهم خير من التعلم بالتدريب، فالذي يحفظ الحل دون فهم قد يفشل عند تغيير تفاصيل المشكلة، أما الذي يفهم علاقته بالهدف فيمكنه تكييف الحل مع شروط جديدة”. كورت كوفكا.

 للتواصل مع الكاتبة : [email protected]

 

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى