✍🏻 شيرين يحيى :
مع مطلع شهر ذي الحجة تهلّ على الأمة الإسلامية أيام عظيمة خصّها الله بمكانة لا تضاهيها أيام أخرى من العام إنها العشر الأوائل من ذي الحجة أيام فُتحت فيها أبواب السماء، وتضاعفت فيها الأجور، وسنحت فيها فرصة ذهبية لكل من يشتاق و يسعى إلى القرب من الله تعالى.
وقد أقسم الله تعالى بها في كتابه العزيز، في مطلع سورة الفجر، فقال: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ ،فكان هذا القسم دلالة واضحة على شرف هذه الأيام ومكانتها الرفيعة.
وفي الحديث النبوي الشريف، ورد عن النبي محمد ﷺ قوله: “ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام” قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: “ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء”.
و تكمن عظمة هذه الأيام في أن جميع أنواع العبادات تتجلى فيها: من صلاة وصيام وذكر وصدقة، بل وفيها أعظم شعيرة في الإسلام وهي الحج. إنها أيام تجمع بين أمهات العبادات، ويتنافس فيها المتنافسون من أهل الأرض سواء كانوا حجاجًا في مكة أو عبادًا في أوطانهم.
ومن أبرز هذه الأيام، يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، الذي خصه النبي ﷺ بفضيلة عظيمة، حيث قال: ” صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يُكفِّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده”
ويُعد يوم عرفة من أعظم الأيام عند الله، وهو يوم يُعتق الله فيه الرقاب من النار، ويُباهي بأهل الموقف ملائكته، كما قال النبي ﷺ: “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة”
ولم يترك النبي ﷺ هذه الأيام تمر دون توجيه مباشر للمسلمين، فقال ﷺ: “فأكثروا فيهن من التهليل، والتكبير، والتحميد”
فهذه الكلمات البسيطة على اللسان، الثقيلة في الميزان، هي زاد العبد المؤمن في هذه الأيام، وشعار من يوقن بعِظم الموسم.
وليس شرطًا أن تكون في مكة لتفوز، فباب العمل الصالح مفتوح لكل من صدق النية فمن صام، أو تصدّق، أو قرأ القرآن، أو أكثر من الدعاء، أو أحسن إلى أهله ، فله في هذه الأيام نصيب وافر من الأجر.
إنها فرصة ثمينة لمن ضاعت عليه مواسم مضت، أو قصّر في رمضان، أو حمل ذنبًا يتمنى أن يُغفر فالعشر الأوائل من ذي الحجة ليست فقط أيامًا، بل هي حياة جديدة تُمنح لمن أحسن اغتنامها.
فليجعل كلٌّ منا له وردًا يوميًا فيها كركعات خاشعة،و دعوات صادقة، وصدقات خفية، وأذكارًا عامرة بذكر الله ، فلعلّ الله أن يكتب لنا بها مغفرة شاملة، ورحمة واسعة، ورفعة في الدنيا والآخرة.
فها هي الأيام تمضي سريعًا، والعشر تمضي كما تمضي الأعمار، فمن أدركها فليغتنمها، ومن بلّغه الله إياها فليشكر، وليجعلها محطة للعودة، ولتجديد العهد مع الله، ولزرع الخير في قلبه وقلب من حوله فلا تنتظر موسمًا آخر، ولا تؤجل توبتك إلى وقت لا تدري هل تدركه ، فاجعل من هذه الأيام بدايةً جديدة، واصنع فيها أثرًا يبقى لك في الدنيا والآخرة، فإن كان للزمن مواسم، فهذه أعظمها، وإن كان للعمر نفحات، فالعشر من ذي الحجة هي نفحة الجنة على الأرض.