كتاب الرأي

صُنّاع العقول

          ✍️ مها  الشاعر – كاتبة سعودية :

يوافق اليوم الأحد الخامس من أكتوبر، وهو اليوم العالمي للمعلم، والذي قد تم اعتماده من قبل الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، كإعتراف بذكرى التوصية المشتركة بين منظمة العمل الدولية واليونسكو في عام 1966 بشأن أوضاع المدرسين وحقوقهم وواجباتهم حول العالم.
بهدف التذكير بدورهم المجتمعي الفعّال، والإشادة بجهودهم المبذولة، فهم حاملو الرسالة بعد الرسل، قناديل النور في ظلمات الجهل ، وصانعو الأجيال والعقول العظيمة.

وفي هذا قال رسول الله ﷺ :
“إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير”.

ما كان للعُلى صرحٌ لولا المعلم، وما كانت الآفاق تُبنى لولا المعلم، وما كان لكل مهنة شرف وعز لولا المعلم، فالمعلم هو من يضع البذرة الأولى في بناء الأخلاق أولاً بعد الوالدين، وفي تكوين الطموح لدى الطفل ورسم طريق المستقبل في أول سنواته الدراسية ثانياً، وفي تأهيل الفرد أدباً وعلماً وهدايةً حتى يفارق مقاعد الدراسة وهو محملاً بأنفس الثمار، ليصبح قائداً ورائداً في أحد مجالات الحياة.
من منا لا يذكر كلمة ثناء من معلمه، موقف عابر ولكنه ترك الأثر الكبير في داخلك، مزاح لطيف تحفُّه مشاعر الأبوَّة الحانية بين جنبات الصفوف، وهذا يكثر جداً في مرحلتي المتوسطة والثانوية، عندما يعامل المعلمين الطلبة كأصدقاء من باب “إذا كبر ابنك خاوية” .. وهم كذلك، لا يقِّلون فضلاً وأجراً ورحمةً، وأثراً عن الوالدين .
فهم أول اليدين التي تستلم هذه الأمانة لتُتِّم بناء هذان الوالدان، وهنيئاً لمن أحسن منهم في حفظ هذه الأمانة، فأجاد تمام ما حسُن أساسه، ورمّم بناء ما شابه خلل، لجهل أو لظرف ألمّ بأحد الوالدين أو كلاهما، فلا أحد يجيد فعل هذا دون الوالدين .. سوى المعلم .
فالتعليم رسالة ووصاية وعناية أبويّة حانية، وليس مجرد مهنة.

لولا المعلم .. ما ظفِرت بغايةٍ
ولا نلت معرفةٍ .. ولا خطّ البيانُ بناني
ولا حزت مكرمةً .. ولا تلوتُ بآيةٍ
مما جرى .. في محكم التنزيل والتبياني
هم للعُلا رمزٌ .. وفي الأعلام لهم رايةً
تسمو العقول بها .. فهم للهدى عنواني

فمن الواجب على الجميع ابتداءً من الأسرة وانتهاءً بالجهات المعنية، أن تحفظ للمعلم وقاره، وإلزام الطلاب بالحفاظ على هيبة المعلم واحترامه ، وإعطاءه التقدير اللائق بما تحمله كل هذه المهنه من معاني سامية وأهداف نبيلة، وكذلك تسهيل كل الأنظمة والإجراءات التعليمية التي تعينهم على تأدية واجبهم على أكمل وجه، في أعظم المهن .. بل و أجلُّها.
يقول المثل الياباني :
“إبتعد عن المُعلم سبعة أقدام .. حتى لا تدوس على ظله بالخطأ.”

وكذلك من الواجب على المعلمين العمل على تطوير مهاراتهم بما يتناسب مع أدوات العصر، وكذلك دراسة أحوال الأجيال والفئات العمرية المختلفة، وخلق بيئة جاذبة للطالب تساعد على الوصول لأسمى أهداف هذه المهنة، تربوياً وتعليمياً.

يقول غازي القصيبي – رحمه الله –
” التدريس فن لا علاقة له بكمية العِلم التي يختزنها المُدرس، أغزر الناس علما ًقد لا يكون قادرا ً على نقل عِلمه إلى الآخرين ،وأنجح المدرسين قد لا يكون أعلمهم”.

وفي هذا اليوم ومن هذا المنبر أوجه خالص الشكر وأبهى عبارات الثناء والتبجيل والتحايا لكل معلم ومعلمة أدّوا ولا زالوا يؤدون، ويقدمون لنا أجيال خلف أجيال تخدم أوطانها، و تساعد في بناء مجتمعاتها بمختلف المجالات المهنية.

*كن معلماً*
في المدرسة الأكبر مدرسة الحياة، جميعنا معلم، وجميعنا لا يزال يتعلم في هذه المدرسة حتى ننال الشهادة الأخيرة ، شهادة المغادرة للفناء الأرحب.
في هذه المدرسة كن معلماً للخير ، معلماً للإحسان، معلماً لمن لم تُهيّئ له الحياة تعليماً لائقاً يرتقي به إلى ينابيع المعرفة السامية لأي ظرف كان، معلماً لمن لم يظفر بتربية حسنة، ولا يجيد التمييز بين السلوك الحسن والسيء، معلماً لمن أسرفت عليه الحياة بتجاريبه الفاشلة فلم يعد يملك من إناءه سوى الجزء الفارغ منه.
كن معلماً رحيماً ، نبيلاً، لمن أغرقه الدنو حسرةً ومهانةً، فلا تقسو على مثل هؤلاء، فقد قست عليهم الحياة بما يفي ويكفي، بل كن يداً حانيةً، معطاءة ، ترفعهم وتعلِّمهم كيفية السمو على كل هذا الألم والإرتقاء به إلى مسالك الأنقياء.
أياً كان موقعك في هذه المدرسة، احرص أن تكون معلماً لا يُنسى ، لحسن صنيعه وأثره .. لا لنقيضهما.
ـ
“لو لم أكن ملكاً ، لوددت أن أكون معلماً “
الملك فيصل بن عبدالعزيز – رحمه الله -.

للتواصل مع الكاتبة : [email protected]

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى