كتاب الرأي

الإدارة أولًا… القيادة لاحقًا

(نحو رؤية تكاملية في سياق العمل المؤسسي)

           ✍️ أ. سعود السحيمي – كاتب سعودي :

يسرني أن أضع بين أيديكم هذا الرأي الذي توصلت إليه من خلال القراءة والتأمل والممارسة الميدانية الفعلية للإدارة القيادية.

أحبتي الكرام:
تُعد الإدارة والقيادة من أبرز محاور النقاش في علم الإدارة المعاصر، حيث يشكلان معًا ركيزتين أساسيتين لنجاح المؤسسات. ورغم الاتفاق على تكاملهما، إلا أن الرؤى الأكاديمية والممارسات الميدانية قد تباينت حول سؤال محوري:

أيهما يسبق الآخر: الإدارة أم القيادة؟

يرى بعض الباحثين والممارسين أن القيادة هي الأساس، بينما يرى آخرون أن الإدارة تسبق القيادة، لأنها توفر الأرضية التي تمارس القيادة فوقها.

إلا أنني، من خلال التأمل في الأدبيات الإدارية والتجارب العملية والممارسات الميدانية في العمل الإداري والقيادي، توصلت إلى أن الإدارة تمثل المنطلق الأول، بينما تأتي القيادة مكملة لها.

فالإدارة وفقًا لتعريف فايول (Fayol) هي: التخطيط، والتنظيم، والتوجيه، والرقابة، والتوظيف.
وهذا التعريف يرسّخ فكرة أن الإدارة هي الإطار المرجعي للعمل المؤسسي. فمن خلالها يتم:
• تنظيم الموارد البشرية والمادية،
• ترتيب الأولويات وتوزيع المهام،
• بناء الهياكل الرسمية التي تضبط حركة المؤسسة.

ومن دون هذا التنظيم المسبق يصبح العمل عرضة للفوضى، ويصعب على أي قائد مهما بلغت قدراته أن يحقق استدامة في التأثير.

أما القيادة، كما عرّفها جون كوتر (John Kotter)، فهي القدرة على إحداث التغيير من خلال التأثير على الأفراد وتحفيزهم. وتمثل القيادة البعد الإنساني في الإدارة، إذ تركز على:
• إلهام العاملين ورفع الدافعية،
• توجيه السلوك نحو تحقيق الأهداف،
• تعزيز روح الانتماء والابتكار داخل المؤسسة.

لكن القيادة لا تعمل في فراغ؛ فهي بحاجة إلى إدارة واضحة تحدد الاتجاهات وتوفر الموارد.

من هنا يتضح أن الإدارة تمنح البنية، بينما تمنح القيادة المعنى والدافعية.

هناك شواهد تطبيقية تدعم هذا الرأي، منها على سبيل المثال:
• قد نجد مديرًا يفتقر إلى مهارات القيادة، لكنه يظل قادرًا على تسيير العمل عبر النظام والصلاحيات. ومع ذلك، فإن أداؤه سيكون إداريًا روتينيًا يفتقر إلى التميّز والإبداع والإنسانية.
• من الصعب أن نجد قائدًا ينجح خارج إطار إداري منظم؛ قد يظهر تأثيره اجتماعيًا أو مؤقتًا (كما في قيادة مجموعة شبابية خلال رحلة)، لكنه يظل تأثيرًا محدودًا وغير مؤسسي.

تؤكد الأدبيات الإدارية أن الإدارة والقيادة متكاملتان، لكنهما ليستا متساويتين في الأسبقية. فالإدارة تضع الهيكل والإطار (البعد المؤسسي)، والقيادة تمنح الروح والحركة (البعد الإنساني).

وبالتالي، فإن البداية المنطقية والعملية تكون من الإدارة، حتى تتمكن القيادة من ممارسة دورها بكفاءة وفاعلية.

استنادًا إلى ما سبق، يمكننا صياغة مفهوم الإدارة القيادية على النحو التالي:

الإدارة القيادية هي: التأثير على سلوك الأفراد لإدارة عمليات المؤسسة بكفاءة وفعالية.
وهو مفهوم يدمج بين أدوات الإدارة (التخطيط، التنظيم، التوظيف، التوجيه، الرقابة) وأبعاد القيادة (التحفيز، الإلهام، بناء العلاقات، دعم المبادرة…).

وقد أثبتت التجارب الميدانية أن:
• القائد الذي يعمل بلا أنظمة، مصيره الفشل لغياب الأسس التنظيمية.
• والمدير الذي يعمل بلا قيادة، يظل منفّذًا جامدًا للأنظمة ويفتقر إلى الإبداع، وتضعف في مؤسسته روح التنافس.

ومن هذا المنطلق، أرى أن الإدارة تسبق القيادة، مع الإشارة إلى أن هذه وجهة نظر قابلة للصواب والخطأ. والله أعلم

 للتواصل : [email protected]

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى