ملحمة الحلم والأمنية

✍️د. شيخة بنت حامد – كاتبة سعودية :
منذ أن وعى الإنسان نفسه، كان الحلمُ زاده في الطريق، والأمنيةُ رايته في العاصفة.
كلاهما ليسا مجرد صورٍ عابرة تنسجها المخيلة، بل كيانان غامضان، يختبئان في عمق الوعي كآلهةٍ صغيرة تنحت مصائرنا ببطء.
الحلم هو الباب الذي لا يُفتح بالمفاتيح، بل بالرجفة الأولى حين يلامس القلب حدود المستحيل.
إنه طلسَم أسطوري، تُقرأ حروفه بدموع العاشقين، وبصبر السالكين في وديان التيه.
كل حلم هو نيزك هبط من سماواتٍ مجهولة، يحمل معه سرًّا لا يبوح إلا لمن امتلك جرأة الإصغاء إلى صمته.
أما الأمنية فهي النار التي تُخفي نفسها تحت الرماد، لا تُرى بالعين، لكنها تلسع الروح كلما حاولت أن تنسى ما تشتهي. الأمنية شجرة أبدية، جذورها مغروسة في ظلمة القلب، وأغصانها تتسلق القمر في محاولة يائسة لسرقة نوره. إنها الفينيق الذي ينهض من رمادك، يطلب منك أن تحترق كي يحيا، ويذكّرك بأنك لست سوى مشروع ولادة لا يكتمل إلا إذا لامس المستحيل أطرافك.
الحلمُ طريقٌ، والأمنيةُ بوصلة.
الحلم يمضي بك إلى تخوم مجهولة، حيث تصير الأرض كتابًا مفتوحًا، والأمنية تهمس لك بأن الصفحة القادمة مكتوبة باسمك إن جرؤت على قراءتها.
لكن أيهما أصدق؟ أهو الحلم الذي يزرعك في الغيب كحبة قمحٍ تنتظر مطرًا قد لا يأتي، أم الأمنية التي تحوّلك إلى طائرٍ يحلّق بجناحين من وهم؟
تقول الأساطير إن الحلم هو وعد السماء، والأمنية عهد الأرض.
الحلم يهبك نبوءة، بينما الأمنية تضعك في امتحان. وبينهما يظل الإنسان معلقًا، مثل مومياء تحرسها الطلاسم، تنتظر أن يتجسّد السرّ في لحظة يقظة نادرة.
وربما كانت الحقيقة أن الحلم والأمنية ليسا سوى انعكاسين لروحٍ واحدة، نصفها نور ونصفها غابة.
نورٌ يتسلل من الداخل كأنه يريد أن يفضحك أمام ذاتك، وغابةٌ تنبت فيك كأرواحٍ متكاثرة، بعضها يذبل وبعضها يظل شامخًا رغم الريح.
هكذا، يظل الحلم والأمنية لغزين يتنازعانك: هل أنتَ من يصوغ الطلاسم لتفتح أبواب القدر، أم أن الطلاسم هي التي صاغتك منذ البدء لتكون مجرّد حرفٍ في كتابٍ لا تملك حق تغييره؟
للتواصل مع الكاتبة : [email protected]



