وفرة الغذاء.. نعمة قد تنقلب إلى نقمة
✍️مسفر محمد الاكلبي:
لم يعد الحصول على لقمة العيش في زمننا الحاضر شاغلاً يومياً كما كان في حياة الأجداد. فقبل عقود قليلة، كان الناس يخرجون مع شروق الشمس بحثاً عن قوت يومهم، يزرعون الأرض، ويربّون الماشية، ويجتهدون لتأمين ما يسد رمقهم. كان الجوع هاجساً ماثلاً في تفاصيل حياتهم، والمجاعات تطرق أبواب القرى بين الحين والآخر.
لكن المشهد تغيّر اليوم جذرياً. فقد وفّرت الطفرة الزراعية والتقنية، إضافة إلى شبكات التجارة العالمية، وفرة غير مسبوقة من الطعام. الأسواق تمتلئ بالمنتجات المستوردة والمحلية على مدار العام، والمطاعم لا تغلق أبوابها، والخيارات الغذائية أصبحت أكثر من أن تُحصى.
هذه الوفرة، التي لطالما كانت حلماً بعيد المنال للأجيال السابقة، أفرزت جانباً مظلماً. فالإحصاءات تشير إلى هدر ملايين الأطنان من الطعام سنوياً، بينما لا يزال الملايين حول العالم يعانون الجوع. وإلى جانب الهدر، ظهرت أمراض العصر المرتبطة بالإفراط في الأكل، مثل السمنة والسكري وضغط الدم.
خبراء التغذية والاجتماع يؤكدون أن الوفرة إذا لم تُقابل بوعي واستهلاك رشيد، فإنها تتحول من نعمة إلى نقمة. وفي هذا السياق، دعا مختصون إلى تكثيف حملات التوعية بترشيد الاستهلاك، وتربية الأجيال الجديدة على تقدير قيمة النعمة، وربط الوفرة بالمسؤولية الاجتماعية.
في إحدى أمسيات الحديث، جلس والدي الشيخ محمد بن فايز ـ أطال الله في عمره ـ يستعيد بعض الذكريات، فحكى لي قصة رواها له الزمن بلسان أحد الشيوخ الطاعنين في السن.
قال: التقيت برجل مسنّ في مدينة رفحاء، وإذا به من قبيلة تعود جذورها إلى جنوب نجد. أثار استغرابي أن أراه مستقراً في تلك الديار البعيدة، فسألته عن حكايته. ابتسم الشيخ العجوز، وقد أرهقته السنون، ثم بدأ يسرد قصته.
قال: “كان أبي مهاجراً من الخرمة إلى القصيم بحثاً عن الرزق، ولكن لم يجد عملاً يسد به رمق الحياة. فنصحه بعض الناس أن يشد رحاله نحو العراق، فقد كانت الجزيرة العربية يومها تعاني قسوة الجذب والجوع. شد أبي الرحال حتى دخل مدينة البصرة، وهناك وقعت عيناه على مشهد غريب لم تألفه نفسه؛ خباز يخبز الخبز ويوقد النار لا بالحطب ولا بالفحم، بل بالتمر اليابس! والتمر عندنا في الجزيرة كان غذاءً أساسياً يكفي الرجل والبيت، فكيف يُتخذ وقوداً للنار؟”
ويتابع: “لم يتمالك أبي نفسه، فوضع يديه على أذنيه وصرخ: (القيامة ستقوم!) من هول ما رأى. استغرب الخباز صرخته، وسأله: من أين أنت؟ فلما قصّ عليه خبر الجزيرة وما فيها من فقر وقحط، ابتسم الخباز وقال كلمته التي ما زالت ترن في أذني: (عيش كثير تشوف كثير… النعمة التي نحن فيها ستصل إليكم، وربما نخسرها نحن).”
استقر والد ذلك الشيخ في العراق زمناً، عمل وكافح، ثم ساقته الأقدار إلى رفحاء حيث تزوج وأقام بقية حياته، تاركاً لأبنائه وأحفاده ذكرى تختزن بين طياتها أعظم العبر.
وختم والدي حديثه قائلاً: إن في هذه القصة تذكرة لكل مسرف لا يعرف قيمة النعمة. فما كان بالأمس حلماً بعيد المنال، أصبح اليوم واقعاً بين أيدينا، وقد نخسره إن لم نشكر الله عليه.
للتواصل مع الكاتب : [email protected]



