كتاب الرأي

خطبة الجمعة بمسجد الترعة في مدينة كسلا

المَعالِمُ الحَضاريّة لِلحجّ

أْحمَد الجَبَراوِى

محتوى الخطبة

الحمدلله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى
وبعد
فالحضارة في الّلغة مأخوذٌة من الفعل حضر، و هي عكس البداوة اذ تعني الاستقرار والنمو .وهى اصطلاحاً تعني مجموعة المظاهر العلميّة والثّقافية والأدبيّة، والفنيّّة، الاجتماعيّة، الموجودة في مجتمع ما .

وكلّ حضارة جاءت متمّمةً للحضارة التي سبقتها، وتُسهم هذه الحضارات في البناء الحضاري الإنساني للعالم بأكمله.

واما الحج كما جاء في لسان العرب فهو : القصد، حج إلينا فلان أي قدم والحج: قصد التوجه إلى البيت بالأعمال المشروعة فرضاً وسنة.

وهو قصد الكعبة لأداء أفعال مخصوصة، أو هو زيارة مكان مخصوص في زمن مخصوص بفعل مخصوص وهى عبادة عظيمة اشتملت على جملة من المقاصد والغايات ومن ذلك اشتمالها على مجموعة من المعالم الحضارية ومن اهمها :-

١ */ القدم فى أعماق التاريخ والاستمرارية* :
كلما كانت الحضارة عميقة فى جذور التاريخ ومستمرة كانت أقوى وارسخ وهو ما خصّ الله به هذه الأمّة إذ أورثها أقدم بيت فى التاريخ : ” إنَّ أوّلَ بيْت وُضِعَ لِلنّاس لَلّذِى ببَكّة مُباركا فيه أيات بينّات.. ” ٩٦ ال عمران . فهذه الأولية انتظرت هذه الأمة حقبا متطاولة تكريما وتفضيلا وبعد نيل الأمة لها استمرت على رعاية البيت وحراسته وظل شامخا عظيما يستقبل زواره وقاصديه على الدوام فهذا القدم و الاستمراية دلالة على رسوخ الحضارة الاسلامية وعظمتها.

٢ */الاتصال بقيم التوحيد والعبودية* :
فالحضارة لها مكونان مادى ومعنوى متى ما تأخر أحدهما انهارت فالجانب المادى واضح و أما المعنوى فهو اتصال البيت بعقيدة التوحيد فى أبهى معانيها : “وإذْ بوّأنا لإبْراهيم مَكانَ البيْت الّا تُشْرك بى شيئا وطهّر بيتى للطّائفين والقائمين والرّكّع السّجود ” ٢٦ الحج. فالعقيدة هى المدد الروحى لاستمرار الحضارة الاسلامية واستدامة قوتها واتصال سيرها وترابطها.

٣/ *التواصل الحضاري:*
إن تواصل الحضارة الاسلامية بالحضارات القديمة لهو عامل قوة وثراء فقد جمع الله حول البيت أعظم مكونين حضارين للانسانية وهما حضارتا الفرات والنيل ليجتمع الساميون والحاميون فى لقاء تاريخى بديع إذ يتزوج إمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام “الكلدانى” القادم من العراق مهد أعظم الحضارات الإنسانية بالأميرة النوبية هاجر التى تنتمى إلى كوش بن حام بن نوح المنتمية لحضارة النوبة مهد الحضارات الإنسانية وتنجب الحضارتان جد العرب المستعربة إسماعيل عليه السلام والذى يتزوج من العرب المُساكنين له حول البيت؛

هذا التلاقى الرائع أعطانا امتدادا وتواصلا حضاريا بديعا ليحقق عالمية حملة الرسالة الخاتمة والذين ينتمون إلى كل العالم القديم لتتحقق إنسانية الرسالة وعالميتها والبيت الحرام هو الرمزية العبقرية لهذا الألق والبهاء والإشراق.

٤ */رسوخ مركز الحضارة على مدى الأزمان* :
إن الحرمين الشريفين هما مركز الحضارة الاسلامية ومن العجيب أنه فى فترات ضعف وانهيار حكومات المسلمين فقد ظل هذا المركز محافظا على قوته والهامة غير متأثر بحالة الضعف التى تعترى مسيرة الامة الإسلامية مع أنه فى حالة إنهيار معظم الحضارات فإنه فى الغالب تنهار مراكزها كما حدث للحضارة النوبية والبابلية والفرس والروم فبمجرد إنهيار الدولة ينهار المركز عدا هذه الأمة التى ميزها بمركز قوى لا ينهار أبد الدهر وهذا معلم حُقّ للأمة أن تفاخر به.
٥/ *رمزية البيت الحرام:*
لقد ظلت الكعبة المشرفة من يومها الأول تمثل صرحا حضاريا شامخا لجميع البشر، وهي حرم الله تشريفا لمكانتها عند الله، يقول الله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ) ٩٦ ال عمران.

وكانت حرمته قديمة وباقية عبر العصور، فإن العرب في الجاهلية تعرف هذه الحرمة وعظمتها.ثم جاء الإسلام لإبراز تلك الحرمة وبيانها وهي ميزات خالصة لهذا البيت عند الله، وكانت البيوت تبنى قبل بناء إبراهيم عليه السلام الكعبة، لكنها لم تبوأ هذه المكانة في تاريخ البشرية، بل لم تقاربها ويلوح هذا المعنى بجلاء أكثر لو تأملنا قوله تعالى: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا..) ٩٧ آل عمران.

فيه تنويه لبعض معالم حضارية خالدة في هذا البيت المبارك، سماها آيات بينات، إشارة إلى آثار محسوسة خلدها التاريخ، منها الحجر الاسود و مقام إبراهيم عليه السلام وهما ياقوتتان من الجنة كما صح بذلك الخبر ومنبع زمزم وغيرها وتتصل الرمزية بوفود ومواكب الانبياء والرسل الحجيج اليه.

قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صَلَّى فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ سَبْعُونَ نَبِيًّا ، مِنْهُمْ مُوسَى ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ عباءتانِ قَطْوانِيَّتانِ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى بَعِيرٍ مِنْ إِبِلِ شَنُوءةَ ، مَخْطُومٍ بِخِطَامِ لِيفٍ لَهُ ضَفْرَانِ ) حسنه الألباني في “صحيح الترغيب .فأعظم بها من رمزية وضاءة مميزة .
٦/ *المساواة فى الحج:*
إن من أعظم المعالم الحضارية للحج أن الناسُ مُتساوون في أحكام الحج ومناسكه من حيث الأصل، فليس لأحدٍ ميزة على الآخر، ولا يختصُّ جنسٌ بحكمٍ دون آخر؛ ولهذا لما زعمت قريشٌ في الجاهليَّة أنهم من أهل الحرم فلا يخرُجون من الحرم إلى عرفة، فكانوا يَقفون في مزدلفةَ، أبطَل الله زعمَهم بقوله: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾ [البقرة: 199]، وهذا جابر بن عبدالله رضي الله عنه يُبيِّن كيف أبطَل الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الزَّعْم في وصفه لحجِّ النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا: (فسار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ولا تَشكُّ قريش إلا أنه واقفٌ عند المَشْعر الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفةَ، فوجد القُبَّة قد ضُربت له بنَمِرةَ، فنزل بها، حتى إذا زاغتِ الشمسُ أمرَ بالقَصْواءِ فرُحِلَتْ له، فأتى بطنَ الوادي)؛ أخرجه مسلم، فيَتبيَّنُ من ذلك أنه لا فرقَ بين قبيلة وأخرى، أو بين جنسٍ وآخرَ في أحكام النُّسُك.

هكذا تتجلَّى مظاهرُ المساواة في هذا المَشعَر العظيم، حيث تجتمع وفودُ المسلمين من شتَّى أنحاء المعمورة؛ ليرجعوا إلى ديارهم عاملين بمقتضى هذا المبدأ العظيمِ في الإسلام، ولعلَّ هذا سرُّ إغتنام النبيِّ المصطفى صلى الله عليه وسلم هذه الفرصةَ الثمينةَ لإرساء دعائمِ هذا المبدأ العظيم في خطبته في حجة الوداع، حينما خطب في الصحابة قائلًا: ((يا أيها الناس، إن ربَّكم واحدٌ، وإن أباكم واحدٌ، ألا لا فضلَ لعربيٍّ على عجمي، ولا عجميٍّ على عربيٍّ، ولا أحمرَ على أسودَ، ولا أسودَ على أحمرَ، إلا بالتقوى ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]، ألا هل بَلَّغْتُ؟))، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((فلْيُبلِّغِ الشاهدُ الغائبَ))؛ أخرجه الإمام أحمد في مسنده. فما اعظمها من مشاعر حضارية تميزت بها أمتنا و ضاعت تحت أقدام مدعى التطور والتحضر اليوم فبئست إنسانيتهم وخسئت إدعاءاتهم.

*٧/الإهتمام الرسمى والشعبى بشعيرة الحج* :
ظلت الأمة حكاما ومحكومين ترعى عبودية الحج ومقدسات الأمة أتم الرعاية محبة وحماية وتطويرا وذلك منذ آماد بعيدة وحقب متعددة ومع تزايد الحاجة وتطور الحياة إزداد الإهتمام بالحرمين ليواكب ذلك أشد المواكبة وخلال العقود الثلاثة الماضية إلى الوقت الراهن يشهد هذا الحرم المبارك توسعات كبيرة تشمل المشاعر كلها، تبرز جهود المملكة العربية السعودية في تفاعلها المتزامن مع معطيات العصر الحضارية، وتستغل تقنيات مدنية جديدة، ووسائل حديثة، لتسهيل أداء المناسك على الحجاج.

هدفها إظهار الجانب الحضاري لهذا الدين وأهله، وتعامل المسلم مع المعطيات الحضارية و الثمرات العلمية والتقدم المدني في كل مناحي الحياة.
أبرز هذه المظاهر الحضارية الحديثة روح التعاون والاستجابة لمتطلبات ظروف الحج لدي المسلمين، ومساعدة الأجهزة الأمنية على تقليل الأخطاء والإلتزام بالأنظمة والإستجابة للقوانين واستخدام وسائل النقل من قطارات وسيارات بالطرق السليمة، والترفق في الزحام، والحرص على النظافة، وإعطاء الطرق حقها، كلها مظاهر حضارية تليق بالمسلم الذي يستمد منهج حياته من دينه ما يصدر عنه من أخلاق تنشر السكينة والإطمئنان والجدير بالذكر أن السودان نال شرفا من ذلك فى كسوة الكعبة ومحمل الكعبة واطعام الحجيج .

٨/ *إجتماع الأمة ومظاهر الوحدة:*
وهى من أعظم المعالم الحضارية فلا يشبه إجتماع المسلمين فى عبودية الحج وإنتظام المشاعر للقاصدين خاصة ولغيرهم إجتماع آخر البتة وهو دلالة على عظمة هذا الدين وسعيه لتقريب الأمة وحثها على مظاهر الوحدة والإعتصام والبعد عن الخلاف وهو مظهر مدنى متحضر عبودى متجذر قال تعالى “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا” ١٠٣ آل عمران.

وقال :”ذلك ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب لكم فيها منافع الى احل مسمى ثم محلها الى البيت العتيق ولكل امة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين” ٣٢-٣٤ الحج .

فكل ما يتصل بعبادة الحج يصل الأمة بضرورة الاعتصام والوحدة فالإله الواحد والقرآن المتلو والرسول المتبع والقبلة الواحدة ووحدة الشعائر والمشاعر والمناسك وتوقيتاتها وغيرها وعليه فإن هذا الاجتماع المبارك ينبغى أن يستغل للمزيد من تعميق أواصر الإخاء الايمانى وتقريب وجهات النظر وتمديد وسائل التحاور بين علماء الامة ومنظوماتها ومنظماتها ودولها ووضع إستراتيجيات كلية للمزيد من الإلتقاء وتجسير الهوة والتصدي الجمعي لمظاهر الفرقة والشتات فما يجمع الأمة أقوى وأعمق وأكبر مما يفرقها
*وبعد:*
فهذه إلمَاحَات عامة ومختصرة عن بعض المعالم الحضارية لعبودية الحج سائلين الله أن يسلم الحجاج ويشملنا معهم في الأجر والثواب ويجمعنا بهم فى تلك البقاع الطاهرة.

والحمدلله رب العالمين
كسلا ٣ ذو الحجة ١٤٤٦ ه
٢٠٢٥/٥/٣٠م
أحمد الجبراوى المحامى

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى