حين يختار الطفل نتعلم نحن

✍️ ليلى العوفي :
أحيانًا تحمل لنا الأيام مواقف صغيرة، لكنها تترك في قلوبنا أثرًا كبيرًا… وهذا ما حدث معي حين رافقت ابني لتسجيله في المدرسة الابتدائية.
دخلنا معا الى المدرسة الاولى دخلنا معًا لكنه كان يخطو بخطوات متثاقلة، وكأن الأرض أثقل مما تحتمله قدماه الصغيرتان.
اتجهت الى غرفة الإدارة لأتعرف على متطلبات التسجيل وفي اللحظة نفسها كنت أراقبه بعناية. رأيت الغضب يرتسم على ملامحه منكمشًا على الكرسي على غير عادته بدا غير مرتاح إطلاقًا. التفتُّ نحوه وسألته بهدوء:
– لماذا أنت غاضب يا بني؟
وفجأة انهمرت دموعه، وتعالى صوت بكائه حتى لاحظه الجميع. حاولت إحدى المعلمات تهدئته لكنه رفض واستسلم لنوبة بكاء جديدة. اقتربتُ منه أسأله:
– ما الذي تريده يا بني؟
فأجابني وهو يزداد بكاءً:
– لا أريد هذه المدرسة… لم تعجبني.
كانت نظرات الشفقة من المعلمات نحوه تزعجني فقررت أن أغادر. خرجنا من باب المدرسة، وكان في عينيه بريق يشبه الانتصار ..انتصار على قراري. لكني لم أرَ في ذلك خسارة… فكل ما يهمني هو راحته في المكان الذي سيقضي فيه معظم وقته.
توجهنا بعدها إلى مدرسة أخرى. هذه المرة كانت خطواته أسرع ملامحه أكثر انشراحًا وصوته أكثر اطمئنانًا. حين دخل الفناء ابتسم بصدق وحين جلس أمام المشرفة أجابها بثقة وهدوء.
وفي نهاية الأمر تجاوز اختبار القبول… ولله الحمدلله
وفي تلك اللحظة أدركتُ أن المدارس ليست مجرد جدران وفصول بل هي مساحات أمان وطمأنينة.
تعلمت من ابني أن القلب أصدق من كل الأوراق الرسمية وأن راحة الروح هي أول خطوة في طريق التعلم. خرجتُ من ذلك اليوم بدرس لن أنساه: أن الإصغاء لصوت صغير قد يقودنا إلى قرار كبير… قرار يبني مستقبلًا مطمئنًا وسعيدًا
خرجت من ذلك اليوم بيقينٍ عميق: الطفل لا يبحث عن جدران جديدة بل عن مكان يحتضن روحه. وحين يجد الطمأنينة يزهر فيه كل شيء.
حين نشارك أبناءنا الاختيار نزرع فيهم الثقة ونعلّمهم كيف يصنعون مستقبلهم.
في تلك اللحظة أدركت أن التربية ليست أوامر ولا إجبارًا بل هي مساحة نمنحها لأطفالنا ليعبّروا عن ذواتهم. وحين نصغي لخياراتهم حتى وإن بدت بسيطة فإننا نعلّمهم أن صوتهم مسموع وأن قراراتهم مهمة. هكذا فقط نزرع في داخلهم الثقة ونبني إنسانًا قادرًا على مواجهة الحياة بثبات.
للتواصل مع الكاتبة : [email protected]



