كتاب الرأي

على أرصفة الصباح… تمضي القلوب نحو أرزاقها

✍️ محمد بن العبد مسن:

في كل صباح، تفتح السماء أبوابها على اتساعها، كأنها تنتظر نهوض الإنسان، تباركه بنور جديد، وتهمس له: “ها قد أتى يومك، فامضِ في دربك، ولا تيأس.” فالسعي هو أول صلاة يؤديها الناس بعد الفجر، بأقدامهم، بأيديهم، وبقلوبهم المعلّقة بالرجاء.

قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “الرزق رزقان: رزق تطلبه، ورزق يطلبك.”
وهكذا ترى الناس في كل ركن من هذا العالم، يسيرون نحو أرزاقهم كأنهم مأمورون بنداء لا يُرد، كأن في القلب بوصلة لا تعرف السكون.

البائع يفتح دكانه وكأنه يفتح نافذة للأمل، والخباز يوقظ الرغيف كما يوقظ الحنين، والمزارع يشق الأرض كأنما يحاورها، يسألها العطاء، ويعاهدها الصبر. وفي كل حركة، ترى أثر دعاء أمّ في الخفاء، أو آية تُتلى على عجل في زاوية مطبخ صغير.

يقول سقراط: “العمل ليس عاراً، بل الكسل هو العار.”
كم من شريف بات ليله يفكر في غده، لا خوفاً من الفقر، بل شوقًا لكرامة الاكتفاء؟ فالعامل الذي يعود من يومه مثقل اليدين، مشقوق الجبين، أعظم عند الله من ألف قاعد يتأمل.

في السعي، نجد حكمة الحياة، نجد تعريف الإنسان الحقيقي؛ فهو ليس بما يملك، بل بما يطلب، بما يتعب من أجله، وبما يسعى إليه ولو خذلته الطرق مرارًا.

قال المتنبي:
إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ … فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ
وهكذا هي النفوس العظيمة، ترى في كل صباح ساحة معركة شريفة، لا تقاتل فيها إلا نفسها، ولا تغنم فيها إلا كرامتها.

وفي خضمّ هذا الجهد، لا يغيب عنا أن الأرزاق لا تتعلق بالحيلة وحدها، بل بقَدرٍ كريم، كتبه الله قبل أن نولد. ومع ذلك، فإن التوكل لا يُغني عن الحركة، واليقين لا يُغني عن المحاولة.

كل صباح هو امتحان جديد في الثقة بالله، وفي الصبر، وفي الشجاعة. وإن أعظم الناس، هم أولئك الذين يعرفون أن السعي هو عبادة، وأن التعب ليس نقيصة، بل شرف.

فانهض، وابدأ يومك كأنك أول الساعين، وآخر المُوقنين، فالحياة لا تُعطى للنيّام، وإنما تُهدي كنوزها لمن عرف أن السعي فريضة، والصباح موعدٌ مع الأمل.

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى