“23 يوليو… حين تنفّست الأرض”

✍️ فايل المطاعني :
في سجلّ الأوطان لحظات لا تُقاس بالسنوات، بل تُقاس بعمق ما زرعته في الوجدان.
وفي ذاكرة عمان، لحظةٌ واحدةٌ صنعت الفرق، وقلبت الصفحة، وأطلقت الحلم من قيده…
لحظةٌ كان اسمها: قابوس، وتاريخها: 23 يوليو.
في ذلك الفجر الاستثنائي، لم تشرق الشمس كعادتها… بل أشرقت معها الكرامة، والنهوض، والرجاء.
وكان أن بدأت الحكاية… لا، بل بدأت الحياة.
في فجرٍ مغاير، من عامٍ كان الحزن فيه قد شرب من عيون العمانيين حتى ارتوى،
هبّت نسمة غير مألوفة على جبال عمان وسهولها، نسمة فيها من الحنين ما يُبكي الحجارة،
وفيها من الوعد ما يضيء ألف ليلٍ بلا قمر.
كان هو… قابوس.
ذاك الشاب النحيل، لكنه بحجم وطن.
جاء لا يصرخ ولا يتوعّد، بل قالها بنبرة مطمئنة:
“أيها الشعب، سأقودكم إلى مستقبل مشرق…”
فانحنت الرياح، وتوقفت الرمال عن تكرار دورانها، وأنصتت النخيل.
في 23 يوليو 1970، لم يشرق النهار فقط… بل استيقظت الأرض من غيبوبتها.
القرى التي لم تعرف الكهرباء، عرفت أن النور ليس فقط في السماء.
الطرق التي كانت ترابية، عرفت أن الخطوة القادمة ليست للتيه.
القلوب التي ألفت الصمت، وجدت فجأة وطنًا يُغني لها.
تخيّلوا!
ذاك الشعب الذي كان يمشي مئات الأميال ليصل إلى مشفى،
ذاك الطفل الذي كان يكتب على الرمال،
ذاك الشيخ الذي كان يحلم أن يرى ابنه جنديًا في جيش عمان،
جاءهم قابوس… فحوّل الحلم إلى دولة، والوجع إلى دستور، والشتات إلى علمٍ يرفرف.
بنى المدارس، فخرجت الأجيال تحمل اسمه في كتب التاريخ.
فتح المستشفيات، فشُفيت قلوبٌ من فقرٍ ومرضٍ ووحشة.
أرسل أبناءه في بعثات، ليعودوا رجالاً وسيدات يحملون مفاتيح الغد.
كان لا ينام، إن جاع أحد.
ولا يبتسم، إن نام طفلٌ في برد الجبال بلا غطاء.
كان أبًا… لا حاكمًا.
وكان قائدًا… لا سلطانًا فقط.
في 23 يوليو، لم تولد نهضة… بل وُلدنا نحن من جديد.
وها نحن اليوم، نحمل ذكراه في قلوبنا لا كذكرى وطنية فقط، بل كآيةٍ من الوفاء، كدمعةٍ حارة، كعهدٍ لا يسقط.
نم قرير العين يا قابوس.
فها هي عمان، التي أحببتها، تمضي تحت راية خلفك الوفي، السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله –
تكمل الطريق، وتواصل الوعد، وتسير على خُطى النهضة الثانية.
يا من تقرؤون…
هذا ليس نصًا، بل قُبلة على جبين وطن، ودمعة من عيون التاريخ، وصرخة فخر لا تهدأ.
في كل 23 يوليو، لا نُطفئ الشموع… بل نشعلها،
لأن عمان تستحق أن تُنار إلى الأبد.
ولأن قابوس، وإن غاب الجسد، فـ روحه باقية في كل حجرٍ وشجرٍ وإنسانٍ على هذه الأرض الطيبة.
فلنقف… ولنُصفق،
ليس فقط لذكرى النهضة… بل لننهض معها كل يوم
للتواصل مع الكاتب [email protected]



