كتاب الرأي

بين الذنب الزائف والتهوين الزائف… حين يختل ميزان الضمير

✍️ هشام نتو :

دعمًا وتوسيعًا لمقال الأخصائية غادة شوعي
https://share.google/5tZ7kX0c1RtWBQkf4

بلغةٍ رشيقة، ومضمونٍ عميق، قدّمت الأخصائية غادة شوعي في مقالةً مؤثرة بعنوان “الذنب الزائف”، سلّطت فيها الضوء على أحد أكثر المشاعر تعقيدًا وتأثيرًا في النفس البشرية، ذلك الذنب الذي يتسلل خلسة إلى الضمير دون سبب واقعي، ويثقل النفس بتهم لم ترتكبها، ومسؤوليات لم تُكلّف بها.

استعرضت الكاتبة مشكورة أشكال هذا الذنب، من “ذنب الناجي”، إلى “ذنب الامتياز”، و”الذنب الوجودي”، وانتهاءً بـ”الذنب الديني المشوَّه”، مع طرحٍ علاجي رحيم يبدأ من التسمية وينتهي بالتعافي المتكامل.

لكن هذا المقال المهم، يفتح بدوره بابًا ضروريًا للنقاش حول الوجه الآخر للعملة: التهوين الزائف، أو ما يمكن تسميته بـ”التنصل المقنَّع”، حين يُبرِّر البعض أفعالهم الجارحة أو تقصيرهم المؤذي على أنها مجرد سوء فهم أو ضغط نفسي.

التهوين الزائف… حين يغيب الضمير خلف قناع “الحرية النفسية”
كما أن الذنب الزائف يُبالغ في الشعور بالخطأ، فإن التهوين الزائف يُفرّط فيه تمامًا، وهو لا يقل خطورة.
ففي زمن بات فيه الخطاب النفسي شائعًا، أصبح البعض يستخدم مصطلحات مثل: “أنا لست مسؤولًا عن مشاعر الآخرين”، أو “لا يمكنني تحمّل عبء العالم”، ليُبرر أنانيته أو تجاهله أو حتى أذى الآخرين.

وإذا كان الذنب الزائف يولد في بيئة تجرّم الخطأ الطبيعي، فإن التهوين الزائف ينشأ غالبًا في بيئة تُربّي الفرد على التبرير لا المحاسبة، وعلى التمركز حول الذات لا التعاطف مع الغير.

لا تبرير للجلد… ولا تسويغ للإهمال
الذنب – كما قالت الكاتبة – شعورٌ نبيل حين يكون في مكانه الصحيح. لكنه حين يختل، يصنع أحد شكلين من المعاناة:
أ – جلدٌ ذاتي مبالغ فيه (الذنب الزائف)
ب – غياب كامل للمسؤولية (التهوين الزائف)

وكلاهما يخلّ باتزان الإنسان وعلاقاته، إما عبر التضحية المفرطة، أو الإهمال الجارح.

الوعي الحقيقي لا يكتفي بنزع الأثقال النفسية، بل يعرف متى يعتذر، ومتى يصحّح، ومتى يُعيد النظر في ذاته دون أن يغرق في الشعور بالذنب أو في التبرير غير الناضج.

كيف نُعيد الاتزان؟
هنا يلتقي المقالان – الأصلي والداعم – في نقطة جوهرية: الوعي.

لا تُحاكم نفسك على كل ما يحدث حولك، لكن لا تُعفِها مما يخصك.

لا تلبس ثوب الجاني وأنت بريء، لكن لا تخلعه وأنت مخطئ.

لا تبتلع كل الحزن من حولك، لكن لا تتنصل من آثارك على من حولك.

قال تعالى:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ –الأنعام: 164
وقال أيضًا:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ –البقرة: 286

وبين هذين الحدين، يتجلّى التوازن الذي يدعو إليه الدين والعقل السليم.

مقال الأخصائية غادة شوعي وضع اليد على جرح خفي، يستحق النقاش والاعتراف والمعالجة. ونحن هنا لا لننقض ما كتبت، بل لنُكمل الطرح، ولنحذر من الميل إلى الضد الخاطئ:
من الذنب الزائف إلى التهوين الزائف.

فكل شعور يجب أن يُوزن بميزان الوعي والرحمة، لا بالتجاهل ولا بالتضخيم.

فليكن ضميرك ناصحًا لا قاضيًا، متوازنًا لا قاسيًا، يقظًا لا متربصًا، ورحيمًا بك وبالآخرين على السواء.

 للتواصل مع الكاتب : [email protected]

عبدالله الحايطي

مؤسس ومالك صحيفة عنوان الأخبارية

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. ما سطّره قلمك النبيل يا أستاذ هشام، لم يكن مجرد تعقيب، بل كان امتدادًا روحيًا وفكريًا لما بدأناه في الحديث عن الذنب الزائف.
    قرأت مقالك أكثر من مرة، وفي كل مرة شعرت أنه لا يُكمل المقال فحسب، بل يرفعه، ويضعه على ضوء أكثر اتزانًا ونضجًا.

    نعم، كما تفضلت بدقة:

    > “لا تبرير للجلد… ولا تسويغ للإهمال.”

    وهنا أصل التوازن النفسي الذي نبحث عنه كمعالجين ومهتمين بهذا الإنسان المرهق بين طرفي النقيض:

    من يجلد ذاته على كل تفصيلة…

    ومن يتهرب من مسؤوليته وراء أقنعة المصطلحات النفسية الحديثة.

    مقالك أعاد صياغة الوعي بلغة راقية تنبض بالمسؤولية، لا الاتهام، وبالرحمة، لا التسيب.
    أعجبتني كثيرًا عبارتك الجوهرية:

    > “لا تُحاكم نفسك على كل ما يحدث حولك، لكن لا تُعفِها مما يخصك.”
    فهي تلخّص رسالة العلاج النفسي والدين والضمير الإنساني في سطرٍ واحد.

    ولم يكن اختيارك للآيتين الكريمتين صدفة:

    > ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
    ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾
    فهما تمثلان قوس التوازن الربّاني، بين الرحمة والمحاسبة، بين العدل
    ممتنة لك من القلب…
    لا لأنك أثنيت على ما كتبت، بل لأنك رفعت الفكرة إلى أفق أوسع،
    وذكّرتنا أن الكتابة مسؤولية، وأننا حين نكتب عن المشاعر البشرية، نحتاج أكثر من قلم… نحتاج ضميرًا، وإنصافًا، ومحبّة في آنٍ واحد.

    بارك الله في فكرك، ونفع بك، وجعل ما تكتب نورًا على نورٍ للباحثين عن فهم أنفسهم بلا قسوة، ولا غفلة.

    > ✍🏻 غادة شوعي
    الأخصائية النفسية والمستشارة الأسرية
    جدة – المملكة العربية السعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى