اختلاف الأبناء تحت سقف واحد: سنة كونية لا خلل تربوي

✍🏻 سلوى الجهني :
في كل بيت، نشهد مشاهد مألوفة: أبناء تربّوا في المنزل ذاته، تحت رعاية نفس الوالدين، تشاركوا الطعام، والملابس، وربما حتى غرفة النوم، لكنك تجد أن أحدهم هادئ، وآخر عنيد، أحدهم شغوف بالدراسة، وآخر لا يُبالي، أحدهم اجتماعي والآخر منطوٍ على ذاته.
هذا التباين يثير كثيرًا من الحيرة والقلق في قلوب الأمهات والآباء، الذين يتساءلون بصدق: “أين أخطأنا؟ ولماذا لا يتشابه أبناؤنا؟”
لكن العلم الحديث يجيب بكل وضوح: الاختلاف بين الأبناء ليس دليلاً على خلل في التربية، بل هو نتيجة طبيعية لتفاعل عوامل متعددة: وراثية، بيئية، وتجريبية.
تؤكد دراسة حديثة نُشرت عام 2024 من Estonian Biobank أن الأطفال ليسوا بالضرورة انعكاسًا مباشرًا لوالديهم من حيث الصفات والميول، فقد تبيّن أن تأثير الجينات في تشكيل شخصية الطفل لا يتجاوز 43٪ في أفضل الأحوال، والبقية ترجع إلى البيئة غير المشتركة والتجارب الشخصية التي يخوضها كل طفل بمفرده، حتى وإن كان داخل نفس البيت أو الصف الدراسي[^1].
كما أظهرت دراسة نُشرت في مجلة PNAS العلمية عام 2025 أن ترتيب الطفل بين إخوته يلعب دورًا كبيرًا في تكوين شخصيته. فالطفل الأوسط، على سبيل المثال، غالبًا ما يطوّر سمات اجتماعية مرنة بسبب موقعه بين الأكبر والأصغر، في حين يميل البكر إلى تحمّل المسؤولية واتباع الأنظمة، أما الطفل الأخير فيكون أكثر ميلًا للتمرد أو البحث عن التميز الفردي[^2].
هذه المعطيات تقودنا إلى إدراك مهم: ليس كل اختلاف بين الأبناء يدل على قصور في التربية، بل على تنوع فطري في الشخصية والاستجابة.
البيئة الواحدة لا تُنتج دائمًا نتائج موحدة، تمامًا كما أن أشعة الشمس نفسها لا تُثمر في كل تربة بنفس الطريقة. فكل طفل يحمل طبيعته الخاصة، واستعداده النفسي، وجيناته التي تتفاعل بطرق مختلفة مع المحيط.
ومن المهم الإشارة إلى ما يسمى في علم النفس بـ “البيئة غير المشتركة” (Non-shared Environment)، وهي التجارب والمواقف التي يمر بها كل طفل وحده: مثل المعاملة الخاصة من معلم، صديق مقرّب، موقف مؤثر في الطفولة، أو حتى شعور داخلي متكرر. هذه التجارب تلعب دورًا أكبر في تشكيل الشخصية من البيئة العامة المشتركة بين الإخوة[^3].
ولذلك، فإن التربية الفعالة اليوم لا تقتصر على تقديم القيم ذاتها للجميع، بل تشمل أيضًا فهم الفروق الفردية بين الأبناء، وتقدير تنوعهم، وتقديم أساليب تربوية مخصصة لكل منهم. فبعضهم يحتاج إلى التشجيع المستمر، وآخر يحتاج إلى وضوح في القواعد، وثالث يزهر حين يُستمع إليه باهتمام.
وفي الختام
إن الأبوة والأمومة الناجحة لا تعني إنجاب أبناء متشابهين في الطباع والميول، بل تعني القدرة على التعامل مع اختلافهم بحكمة وتقدير.
فكما تختلف الزهور في شكلها ولونها ورائحتها، يختلف الأبناء، لكنهم جميعًا يمكن أن يزهروا إذا وُجِد الراعي الفاهم، والمربّي المتفهم.
فلنُمسك عن المقارنات، ولنحتضن كل ابن وبنت بما هم عليه، لا بما نتمنى أن يكونوا عليه، فالله سبحانه قال:
﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ﴾ [القصص: 68].
للتواصل مع الكاتبه : [email protected]



