كتاب الرأي

لا حليم إلا ذو عثرة ولا حكيم إلا ذو تجربة

✍️ ع.م. ندى عزيز الخمعلي – كاتب سعودي :

ليست الحكمة كلمات تُقال، ولا الحلم صفة يولد بها الإنسان مكتملة، بل هما ثمرة مواقف وتجارب وأيام تحمل في طياتها من الدروس ما لا تمنحه سنوات الدراسة وحدها. فالإنسان لا يعرف حقيقة نفسه إلا عندما يمر بالشدائد، ولا يدرك قيمة التروي إلا بعد أن يتعلم من عواقب التسرع.

لا حليم إلا ذو عثرة ولا حكيم إلا ذو تجربة، مقولة تختصر جانباً عميقاً من طبيعة الإنسان؛ فالحليم ليس من لم يغضب يوماً، وإنما من عرف الغضب وتعلم كيف يضبط نفسه، وليس الحكيم من لم يخطئ في حياته، وإنما من مر بالتجارب واستوعب دروسها، وأدرك أن بعض العثرات قد تكون بداية لطريق أكثر نضجاً ووعياً.

فكم من إنسان ظن أن القوة في سرعة الرد، ثم علمته الأيام أن الصمت في بعض المواقف قوة، وأن التغاضي ليس ضعفاً، وأن الاعتذار شجاعة، وأن الاعتراف بالخطأ لا ينتقص من قيمة صاحبه، بل يرفع من قدره. وكم من قرار اتخذه الإنسان في لحظة انفعال، ثم تمنى لو منح عقله فرصة للتفكير قبل أن يمنح لسانه فرصة للكلام.

إن التجارب مدرسة لا تغلق أبوابها، والعاقل هو من يستفيد من أخطائه وأخطاء الآخرين، فلا يكرر العثرة ذاتها، ولا يسمح للمواقف الصعبة أن تحوله إلى إنسان قاسٍ أو فاقد للثقة، بل يجعل منها جسراً يعبر به نحو الحكمة والاتزان.

وقد أرشدنا ديننا الحنيف إلى قيمة الحلم والعفو والصبر، فقال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».

وفي حياتنا الاجتماعية والعملية، نحن بحاجة إلى أصحاب التجارب الذين لا يتعجلون الأحكام، ولا يوزعون الاتهامات، ولا يجعلون من زلة عابرة مقياساً للحكم على الآخرين. فالحياة لا تمنحنا دائماً ما نريد، لكنها تمنحنا في كل مرحلة فرصة لنتعلم ونراجع ونصحح.

وفي النهاية، لا تجعل عثرتك نهاية الطريق، ولا تجعل تجربتك سبباً للتعالي على الآخرين؛ فكلنا نتعلم، وكلنا نخطئ، ولكن الفارق بين إنسان وآخر أن هناك من يتوقف عند الخطأ، وهناك من يحوله إلى درس، ومن يخرج من التجربة أكثر حلماً وحكمة ونضجاً.

فالعثرة قد تصنع حلماً، والتجربة قد تصنع حكيماً، والأيام وحدها تكشف معادن الرجال.

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى