أَنَا نَاسِجَةُ الْمَعْنَى

✍️نجد الثبيتـي –كاتبة صحفية:
أَنَا نَاسِجَةُ الْمَعْنَى، وَلِي فِي الْحَرْفِ مَمْلَكَةٌ لَا تَطَالُهَا أَيْدِي الْعَابِرِينَ، أَنْسِجُ مِنْ خُيُوطِ الْفِكْرِ وِشَاحًا، وَمِنْ كِبْرِيَاءِ الرُّوحِ مَقَامًا، وَأَمْضِي شَامِخَةً كَأَنَّمَا خُلِقَتْ قَامَتِي لِتُصَافِحَ الْعَلْيَاءَ.
لَا أَسْتَعِيرُ مِنْ أَحَدٍ ضِيَاءً لِأُبْصِرَ، وَلَا أَسْتَمِدُّ مِنَ الْمَدِيحِ قِيمَةً لِأَعْلُو؛ فَفِي دَاخِلِي مِنْ يَقِينِ النَّفْسِ مَا يُغْنِينِي عَنْ شَهَادَةِ الْآخَرِينَ، وَمِنْ عِزَّةِ الرُّوحِ مَا يَجْعَلُنِي أَتَرَفَّعُ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِمَقَامِي.
أَنَا الَّتِي إِذَا كَتَبْتُ، جَعَلْتُ مِنَ الْحُرُوفِ مَهَابَةً، وَمِنَ الْمَعَانِي شَوَاهِدَ عَلَى فِكْرٍ لَا يَسْتَكِينُ. لَا أُبَعْثِرُ كَلِمَاتِي فِي طُرُقَاتِ الْإِعْجَابِ، وَلَا أَهَبُ أَسْرَارَ رُوحِي لِكُلِّ عَابِرٍ؛ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ طَرَقَ بَابَ الْمَعْنَى جَدِيرًا بِالدُّخُولِ.
لِي مِنَ الشُّمُوخِ مَا لَا تُدَانِيهِ الْمَظَاهِرُ، وَمِنَ الْكِبْرِيَاءِ مَا لَا تُفْسِدُهُ الْمُغْرِيَاتُ، وَمِنَ الْحِكْمَةِ مَا يُعَلِّمُنِي أَنَّ الِانْسِحَابَ أَحْيَانًا أَرْفَعُ مَنْزِلَةً مِنَ الْبَقَاءِ، وَأَنَّ الصَّمْتَ حِينَ تَصْغُرُ الْمَقَامَاتُ أَبْلَغُ مِنْ أَلْفِ اعْتِذَارٍ.
لَا أُخَاصِمُ كَيْ أُثْبِتَ عُلُوِّي، وَلَا أُجَادِلُ كَيْ أَفْرِضَ حُضُورِي؛ فَالنَّخِيلُ لَا يَشْرَحُ لِلرِّيحِ سِرَّ ارْتِفَاعِهِ، وَالْقِمَمُ لَا تَسْتَأْذِنُ الْغَيْمَ كَيْ تَعْلُوَ. كَذَلِكَ أَنَا، أَعْرِفُ قَدْرِي، فَلَا أُسَاوِمُ عَلَيْهِ، وَأَصُونُ كَرَامَتِي، فَلَا أَضَعُهَا عَلَى عَتَبَةِ انْتِظَارٍ.
أُحْسِنُ الْوُدَّ حِينَ يَكُونُ الْوُدُّ جَدِيرًا، وَأَمْنَحُ الْوَفَاءَ لِمَنْ يَعْرِفُ مَعْنَى الْوَفَاءِ، لَكِنَّنِي لَا أُقِيمُ فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ قَدْرِي، وَلَا أَسْتَبْقِي قَلْبًا اخْتَارَ أَنْ يَكُونَ غِيَابُهُ أَبْلَغَ مِنْ حُضُورِهِ.
أَنَا نَاسِجَةُ الْمَعْنَى؛ لَا تُغْرِينِي كَثْرَةُ الْأَسْمَاءِ، وَلَا يُرْبِكُنِي تَبَدُّلُ الْوُجُوهِ، وَلَا أَسْتَوْحِشُ دَرْبًا انْفَرَدْتُ فِيهِ؛ فَمَا خُلِقْتُ لِأَكُونَ ظِلًّا لِأَحَدٍ، وَلَا صَدًى لِصَوْتٍ سِوَايَ. لِي لُغَتِي، وَلِي مَلَامِحُ فِكْرِي، وَلِي مِنْ نَفْسِي عِزَّةٌ لَا تَقْبَلُ الْمُسَاوَمَةَ.
فَإِنْ كَانَ لِلْحَرْفِ تَاجٌ، فَبَلَاغَتُهُ فِي صِدْقِهِ، وَإِنْ كَانَ لِلرُّوحِ مَقَامٌ، فَرِفْعَتُهَا فِي عِزَّةِ نَفْسِهَا.
أَنَا نَاسِجَةُ الْمَعْنَى؛ أَصُوغُ مِنْ فِكْرِي مَوْقِفِي، وَمِنْ صَمْتِي هَيْبَتِي، وَمِنْ كَرَامَتِي حَدًّا لَا يَتَجَاوَزُهُ عَابِرٌ. لَا أَطْلُبُ أَنْ أَكُونَ فَوْقَ أَحَدٍ، لَكِنَّنِي أَرْفُضُ أَنْ أَكُونَ دُونَ قَدْرِي.
للتواصل : [email protected]



