لحظة إدراك

✍️سمسمه السعيد – كاتبة :
حين تنضج العقول تتغير النظرة إلى الحياة وحين تستيقظ الأرواح تسقط الكثير من الأوهام
ليست المشكلة دائما فيما نواجهه من أحداث بل في الطريقة التي نفهم بها تلك الأحداث وفي المساحة التي نمنحها للأشخاص وفي التوقعات التي نبنيها على أشياء لم تعدنا يوما بأنها ستبقى
هناك مرحلة يصل إليها الإنسان لا يعود فيها منشغلا بتفسير كل موقف ولا بتحليل كل كلمة ولا بالبحث عن أسباب كل غياب ففي تلك المرحلة يصبح أكثر إدراكا بأن بعض الحقائق لا تحتاج إلى شرح وأن بعض المواقف تختصر تاريخا كاملا من العلاقات وأن ما تكشفه الأفعال لا تستطيع إخفاءه آلاف الكلمات أو حتى المواقف
إنها لحظة إدراك يتغير فيها ميزان الأشياء داخل الإنسان فيصبح ما كان يراه عظيما أمرا عاديا وما كان يخشاه أمرا يمكن تجاوزه وما كان يظنه نهاية العالم مجرد فصل انتهى من فصول حياته
يدرك أن الإنسان لا يقاس بما يقوله عن نفسه بل بما تكشفه مواقفه حين تتعارض مصالحه مع مبادئه وأن الأخلاق الحقيقية لا تظهر في أوقات الرخاء بل تتجلى حين تتاح للإنسان فرصة أن يظلم فلا يظلم وأن يخذل فلا يخذل وأن ينتصر لنفسه دون أن ينتقص من حقوق الآخرين شيئا
ويدرك أن الحياة ليست ساحة لإثبات الذات أمام الجميع وأن القيمة لا تحتاج إلى إعلان مستمر وأن الإنسان الواثق من نفسه لا يستجدي الاعتراف ولا يطارد الاهتمام ولا يقف طويلا أمام أبواب لا تفتح له
ومن أعمق ما يتعلمه المرء أن كثرة العلاقات لا تعني عمقها وأن طول المعرفة لا يضمن صدق المودة وأن القرب المكاني لا يعني بالضرورة قرب الأرواح فهناك من يسكن الذاكرة ولا يسكن القلب وهناك من يمر عابرا فيترك أثرا لا تمحوه السنوات أو الأيام أو طيلة العمر أو حتى اللحظة
ثم يفهم أن الخذلان ليس دائما خسارة وأن التأخر ليس دائما حرمانا وأن بعض النهايات تحمل في داخلها بدايات أكثر اتساعا مما كنا نتصور
وحين يبلغ الإنسان هذا المستوى من الوعي يتوقف عن محاكمة الماضي ويكف عن استنزاف الحاضر في محاولة تغيير ما حدث ويبدأ في التعامل مع الحياة كما هي لا كما يشتهيها٠
لا يعود يطلب من الجميع أن يفهموه ولا ينتظر من كل قلب أن يشبه قلبه ولا يضع سعادته في أيدي الآخرين بل يتعلم أن يكون متوازنا في عطائه حكيما في اختياراته واضحا في مواقفه عزيزا في حضوره وكريما في غيابه٠
إن النضج الحقيقي ليس أن تتخلى عن مشاعرك بل أن تعرف أين تضعها وليس أن تغلق قلبك بل أن تحسن اختيار من يستحق الدخول إليه وليس أن تصبح قاسيا مع الحياة بل أن تتوقف عن القسوة على نفسك باسم الصبر والتحمل٠
فكم من إنسان أضاع سنوات وهو يحاول أن يكون مناسبا للجميع حتى نسي أن يسأل نفسه هل هو سعيد بما أصبح عليه وكم من إنسان خسر راحته وهو يطارد صورة مثالية للحياة لم تكن موجودة إلا في خياله
وهنا تكمن أعظم لحظات الإدراك حين تكتشف أن خسارة نفسك لإرضاء الآخرين هي الخسارة الوحيدة التي لا تستحق منك أي تضحية
فلا تجعل تجاربك القاسية تسلبك نقاءك ولا تجعل خيباتك تسرق منك قدرتك على الثقة ولا تجعل اختلاف الناس معك سببا للتنازل عن مبادئك الخاصة ٠
كن عظيما بأخلاقك لا بمظاهر حضورك وكن قويا باتزانك لا بارتفاع صوتك وكن غنيا بما تملكه من قناعة لا بما تجمعه من أشياءلا قيمة لها فى حياتك الشخصية
وفي النهاية ستكتشف أن الحياة لم تكن سباقا لتسبق الآخرين ولم تكن امتحانا لتنال إعجاب الجميع بل كانت رحلة طويلة لتتعرف إلى نفسك وتفهم حقيقتها وتتعلم كيف تعيش دون أن تفقد جوهرك في زحام المطالب والتوقعات
لحظة إدراك هي أن تعرف أن بعض الأبواب لم تكن مغلقة في وجهك بل كانت تحميك من طرق لم تكن تناسبك وأن بعض الأشخاص لم يكونوا جزءا من مستقبلك مهما طال حضورهم في ماضيك وأن بعض الأقدار التي قاومتها كانت تحمل لك دروسا لم تكن لتتعلمها في طريق آخر لم تتوقعه
فإذا وصلت إلى هذه اللحظة فلا تندم على ما مضى ولا تنشغل بما فاتك ولا تلتفت كثيرا إلى ما اختار الآخرون أن يكونوا عليه
امض بوعي أكبر وقلب أكثر اتزانا ونفس تعرف قيمتها الحقيقية التي هي أفضل بكثير من الواقع
فأجمل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان ليس أن تصبح الحياة كما يريد بل أن يصبح هو أكثر حكمة في التعامل مع هذه اللحظات الصعبة ٠
للتواصل : [email protected]



