ضجيج الروح خلف ستائر الهدوء

✍️ عائشة السبيعي – كاتبة سعودية :
ثمة أوجاعٌ لا تطرق الأبواب، بل تتسلّل إلى أعماق الروح على أطراف الصمت، وتختار من الليل أكثر لحظاته سكونًا لتكشف عن حضورها؛ كأنها كانت تنتظر انطفاء ضجيج الحياة لتُسمع الإنسان صوت ما أخفاه طويلًا.
حين تخفت الأصوات، وتستكين الحركة، وتغفو الحياة في ظاهرها، يستيقظ في الداخل عالمٌ آخر لا يعرف الهدوء؛ عالمٌ تتصادم فيه الأفكار، وتتزاحم فيه المشاعر، وتنهض من زوايا الذاكرة أوجاعٌ ظننا أننا دفنّاها تحت انشغالات الأيام، فإذا بها تعود وكأنها لم تغادر يومًا.
إنه ذلك الشعور الغامض الذي يهبط على الصدر دون موعد، فتضيق المساحات في داخل الإنسان، ويصبح الليل أطول من احتماله، والوسادة شاهدةً على حوارٍ صامت لا يسمعه سواه. تتقلّب الروح على جمر أفكارها، ويتنقّل الخاطر بين ذكرياتٍ موجعة وأسئلةٍ معلّقة، ويقف الإنسان حائرًا أمام ثقلٍ لا يعرف له اسمًا، متسائلًا:
كيف اتّسع كل هذا التعب في صدري، وأنا الذي مضيت يومي مبتسمًا، وكأن شيئًا لم يكن؟
جدران التراكمات النفسية.. حين يتجمّع الصمت
ليس كل ضيقٍ وليد لحظته، ولا كل حزنٍ له سببٌ حاضر يمكن الإشارة إليه؛ فبعض الأثقال تُصنع على مهل، وتتراكم في أعماقنا كما تتراكم طبقات الغبار على النوافذ المغلقة، حتى تحجب النور دون أن نشعر.
مواقف ابتلعنا مرارتها كي لا نفسد صفاء اللحظة، وكلمات حبسناها خلف شفاهٍ متماسكة كي لا نجرح أحدًا، ومشاعر أخفيناها خلف أقنعة القوة حتى لا نبدو أضعف مما نريد، وخيبات مررنا فوقها بابتسامةٍ هادئة، بينما كانت أرواحنا تتعثّر تحت وطأتها، وتترك في أعماقنا شقوقًا لا يراها أحد.
نؤجّل البوح، ونؤخّر الحزن، ونقنع أنفسنا بأننا بخير، حتى نظنّ أن ما لم نتحدث عنه قد انتهى، وما لم نبكِ عليه قد تجاوزناه. لكن المشاعر لا تموت بالصمت، ولا تتلاشى لمجرد أننا أدرنا ظهورنا لها؛ إنها تبقى في زوايا النفس، كرسائل لم تُفتح، تنتظر لحظة السكون لتخرج من عزلتها وتطالبنا بالإنصات إليها.
وحين تنطفئ مشاغل النهار، وتسقط عن الروح أثقال الانشغال، يتكشّف ما كان مستورًا؛ فيصبح الصمت مرآةً لا تجامل، والليل نافذةً تطلّ منها كل المشاعر المؤجلة، وتعود الذاكرة لتعرض أمامنا ما حاولنا تجاوزه دون أن نمنح أنفسنا فرصة الشعور به.
صرخة الجسد.. حين تعجز الروح عن البوح
أحيانًا يتحدث الجسد حين تخذلنا الكلمات؛ فيسبقنا الخفقان إلى التعبير، ويضيق الصدر كأنما يحمل فوق اتساعه المحدود جبالًا من الهموم، وتثقل الأنفاس، ويتحوّل الأرق إلى رفيقٍ ثقيل يجلس عند حافة السرير، يراقب محاولاتنا المتكررة للنوم دون أن يرحل.
قد تترافق هذه الأحاسيس مع التوتر والقلق والإجهاد النفسي، لكنها لا تُختزل دائمًا في سببٍ واحد، ولا ينبغي أن نُهمل الإشارات الجسدية أو ننسبها كلها إلى الحزن؛ فالجسد أيضًا له لغته التي تستحق الإصغاء والعناية.
وما أشدّ قسوة أن يشعر الإنسان بأنه وحيدٌ في معركته الداخلية؛ يبتسم أمام الآخرين، ويؤدي أدواره اليومية، ويبادلهم الأحاديث كأن قلبه لا يحمل شيئًا، ثم يعود إلى وحدته فيجد كل ما أخفاه طوال النهار واقفًا أمامه، ينتظر لحظة انكسار الصمت.
ونرى ذلك في واقع الحياة حين يعود أحدهم من يومٍ طويل، يؤدي فيه عمله، ويجيب عن أسئلة الآخرين بابتسامةٍ معتادة، وربما يضحك معهم، ثم ما إن يغلق باب غرفته حتى يجلس على طرف سريره، يطيل النظر في الفراغ، وتنساب دمعةٌ لم يعرف سببها في تلك اللحظة؛ ليس بالضرورة لأن موقفًا واحدًا آلمه، بل لأن مواقف كثيرة مرّت دون أن يجد فرصةً ليحزن عليها أو يتحدث بشأنها. وكأن تلك الدمعة كانت صوتًا لكل ما عجز عن قوله.
إن بعض الأرواح لا ينقصها الصبر بقدر ما ينقصها الاحتواء، ولا تحتاج دائمًا إلى حلولٍ جاهزة بقدر حاجتها إلى مساحةٍ آمنة تخلع فيها أثقالها، وتضع فيها رأسها المتعب دون أن تضطر إلى تبرير حزنها أو الاعتذار عن ضعفها.
ولعل في قصة يعقوب عليه السلام درسًا عظيمًا في أن الحزن لا يناقض الإيمان، وأن الروح قد تضيق بما تحمل، لكنها تجد في مناجاة الله متّسعًا لا تضيق به الكلمات؛ قال تعالى على لسان يعقوب عليه السلام:
﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86].
فليس كل حزنٍ يُقال، ولا كل وجعٍ تستطيع الكلمات احتواءه؛ فثمة أوجاعٌ لا تجد لها الروح ملاذًا أرحب من مناجاة الله، حين تضيق بها الأرض، وتعجز عن شرح ما يعتمل في صدرها.
حين يصبح الصمت لغةً أخرى
ولعل أكثر ما يُتعب الإنسان ليس ما يشعر به فحسب، بل اضطراره الدائم إلى التظاهر بأنه لا يشعر بشيء؛ أن يحمل في صدره عاصفةً كاملة، بينما لا يظهر على وجهه سوى سكونٍ عابر.
أن تكون مثقلًا ولا تجد العبارة المناسبة، أن ترغب في البوح ثم تتراجع خوفًا من ألا يفهمك أحد، أن تحتاج إلى من يسألك عن حالك بصدق، لا لمجرد أداء واجب السؤال؛ أن تتمنى لو أن أحدًا يستطيع قراءة ما وراء هدوئك، ويفهم أن الصمت ليس دائمًا علامة رضا، وأن الابتسامة لا تعني بالضرورة أن القلب بخير.
فرفقًا بتلك الأرواح التي اعتادت أن تستوعب الجميع، وتُصغي لأوجاع الآخرين، وتبحث لهم عن الكلمات التي تخفف عنهم، بينما لا تجد من يلتفت إلى صمتها، أو يسأل عمّا تخفيه خلف ذلك الهدوء.
رفقًا بمن يحملون أوجاعهم بأدب، ويخفون انكساراتهم حتى لا يُثقلوا على أحد، ويؤثرون الصمت لا لأنهم لا يملكون ما يقولون، بل لأنهم تعبوا من محاولة شرح ما لا تسعه الكلمات، ومن البحث عن قلبٍ يتّسع لما عجزت ألسنتهم عن وصفه.
فليس كل صامتٍ مطمئنًا، وليس كل هادئٍ خاليًا من العواصف؛ فبعض الصمت ضجيجٌ مؤجّل، وبعض الهدوء معركةٌ تدور خلف الملامح الهادئة، ولا يسمع اشتعالها أحد.
للتواصل : [email protected]



