كتاب الرأي

ما يبقى منّا

      ✍🏻 نادية الجودي – كاتبة سعودية :

حين تمضي بنا الدروب وتتوارى ملامح الأيام،أي شيء يظل منا في حياة مَن عرفونا؟

بعد أعوام، قد تستعيد الذاكرة عبارة سمعتها في ساعة ضيق، فتعود إليها كأنها قيلت للتو: حديث شجّع مترددًا، أو أنصف مظلومًا، أو رد إلى فؤاد مثقل شيئًا من السكينة. هكذا يتجاوز بعض الكلام زمنه ويبقى حيًّا كلما احتاج صاحبه إلى ما يثبّت خطاه.

في مسيرة كل امرئ وجوهٌ اقترنت بلفتات لا تُنسى٢!: ؛ معلمة آمنت بموهبة طالبتها، وصديق اقترب بروحه حين ازدحمت الخطوب. استقر أولئك في الوجدان بصفاء مواقفهم وبما أودعوه في الأعماق من طمأنينة واعتزاز.

تعرف شخصية المرء من أسلوب تعامله: قول يصون الكرامة، وإنصاف يحفظ الحقوق، واعتذار يعيد إلى العلاقة صفاءها ووفاء يصمد عند الشدائد. تلك الخصال توثق الروابط،وتوطّد الثقة وتكشف جوهر صاحبها في شؤون الحياة اليومية.

كذلك تنسج السيرة من اختيارات هادئة تتوالى كل يوم: حفاوة اللقاء، وكتمان الأسرار، وصدق الوعد، ومراعاة الحقوق. قد يستأثر الحدث الجليل بالأنظار، غير أن الجزئيات تكشف خُلقًا أصيلًا؛ إذ تضفي على المعاملة صدقها، وتترك لدى المتلقي إحساسًا بمكانته.

يتجاوز صدى الفعل الحسن لحظة وقوعه؛ فمن ذاق العدل نقله إلى سواه، ومن وجد في الإصغاء عونًا منح غيره أذنًا واعية وروحًا رحبة. وربما دفعت جملة مخلصة شخصًا إلى الإيمان بموهبته، أو أعانته مبادرة نبيلة على استرداد توازنه ومواصلة المسير. على هذا النحو ينتقل الخير بين البشر وتغدو المعاملة الحسنة نهجًا ممتدًا في السلوك والاختيارات.

عندما تتبدل الأحوال وتتباين المسارات، تحفظ المشاعر ذكرى أولئك الذين تركوا بصمتهم: عرفانًا لمن قدّر، وامتنانًا لمن عدل، ومودة لمن جاء في أوانه. وتتشكّل صورة الفرد مما اختبره رفاقه في صحبته،وما لمسوه في حديثه وصنيعه.

نغادر المشهد، فتظل في حكايات مَن التقيناهم عبارة رفعت همة، ويد أسندت ضعفًا وتصرف صان كرامة. صفحات ترويها الأيام وتصونها الصدور؛ وذلك ما يبقى منّا.

فأي ذكرى نرجو أن تحملها عنا الأرواح التي عبرنا حياتها؟

للتواصل : [email protected]

غرفة الأخبار

مسؤول النشر والتدقيق 1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى